"الرسالة الأردنية" في معركة القدس

 

ثمة مؤشرات ودلالات عديدة بأنّ إسرائيل ماضية قدما في مشروع تهويد المدينة المقدسة والقضاء على هويتها التاريخية. ووفقاً لدراسة مطولة أصدرتها مؤسسة القدس الدولية في بيروت (ونشرتها الغد، بالتزامن مع الذكرى السنوية لإحراق المسجد الأقصى) فإنّ مشروع الحفريات في حوض الحرم القدسي والتهويد وتغيير معالم المدينة ماض على قدم وساق، ويشهد تسارعاً كبيراً في السنتين الأخيرتين. يتوازى مع هذه السياسات إغلاق مؤسسة الأقصى في أراضي فلسطين الـ48، والتي توظف نشاطها من أجل حماية الأقصى وترصد الاعتداءات الإسرائيلية عليه، ومن الواضح أنّ هذا الاغلاق بهدف حجب المعلومات والحد من دور المؤسسات المعنية بحماية هوية المدينة.

اضافة اعلان

من جهة أخرى؛ يدخل الأردن معركة دبلوماسية جديدة مع إسرائيل على خلفية تجديد طريق "باب المغاربة"، إذ كانت إسرائيل عازمة على مدّ جسر يصل بين باب المغاربة والحرم القدسي ومنه إلى حائط البراق (حائط المبكى لدى اليهود), ليحل مكان الطريق الترابي.

ما تقوم به اسرائيل اليوم في المدينة المقدسة يشي بأنّ هنالك مراحل قريبة قادمة ستشهد تسخيناً على هذه الجبهة. وإن كانت إسرائيل تحاول الاستمرار بتغيير هوية المدينة، والقضاء على "وثائقها التاريخية" والواقعية، بصمت، ودون ضجيج، إلى أن نجد أمامنا واقعاً جديداً مختلفاً بعد سنوات قليلة يجعل من الوقائع على الأرض لصالح إسرائيل.

ليست هذه المرة الأولى التي تتصدى فيها الدبلوماسية الأردنية لإسرائيل، بينما العرب يغطّون في نوم عميق. فقد كان الأردن هو المبادر قبل سنوات إلى حمل مشروع "الجدار العازل" إلى المحكمة الدولية واستصدار قرار أممي ضد هذا الجدار، وإضافة وثيقة قانونية وسياسية وإعلامية جديدة في معركة الدبلوماسية والرأي العام العالمي في مواجهة المخططات الإسرائيلية.

واليوم، فإنّ الأردن معني، بصورة مباشرة وأولية، بمعركة القدس، وله الولاية الدينية والتاريخية عليها إلى الآن، ولا تزال تتبع هذه "الولاية" إدارياً إلى الأردن. وفي هذه اللحظة التاريخية يتجاوز الدور الأردني حدود المعركة الدبلوماسية مع إسرائيل إلى بناء مشروع دولي إسلامي مركزه عمان يتولى المسؤولية الأخلاقية والشعبية للدفاع عن المدينة المقدسة وعن الأقصى في مواجهة مشروع التهويد الإسرائيلي.

نحن اليوم أمام تحدٍّ حقيقي للرسالة الأردنية يتمثل في حشد الرأي العام العربي والإسلامي بل والعالمي وراء معركة القدس والأقصى، وبناء جهد رسمي عالمي كبير يحدد الاستراتيجيات والآليات القانونية والدبلوماسية والسياسية التي يمكن من خلالها حماية هوية المدينة الدينية والتاريخية والمعمارية، وحماية الولاية الدينية والإدارية عليها من التغول الإسرائيلي ودعم الفلسطينيين الصامدين هناك للبقاء والدفاع عن الخارطة السكانية.

آن أوان إعادة الاعتبار لصورة الأردن ودوره ورسالته الحقيقية المستمدة من قيم الدولة وتاريخها وفلسفة وجودها، باعتبارها محضناً للمشاعر الإسلامية والقومية، ومركزاً إقليمياً للدفاع عن مصالح الأمة وثوابتها. وإذا كانت السياسة الأردنية الواقعية اندفعت في السنوات الأخيرة في مسار دعم التسوية السلمية مع إسرائيل، فذلك لم يكن على حساب مصالح الأمة ولا هوية الدولة ورسالتها، بقدر ما كان باتجاه حماية حقوق الفلسطينيين التاريخية بإقامة دولة فلسطينية مستقلة على أراضي الـ67، وهي الدولة المرتبطة عضوياً بمصالح الأردن الاستراتيجية وأمنه الوطني.

المعركة على هوية القدس وتاريخها لا تقل، بل تزيد، على أهمية المعركة حول المستقبل السياسي للمدينة، فالهوية والتاريخ والثقافة هي الوقائع الثابتة على الأرض بعيداً عن تقلبات السياسة. والأردن هو الدولة المسؤولة عن الهوية الدينية والتاريخية للقدس، وعليه يقع العبء الأكبر خلال الأيام القادمة.

[email protected]