الزفة

الزفة التي نشاهدها في الأعراس ليست حكرا على طقوس الزواج، بل هي ثقافة وجزء من ادوات العمل السياسي والعام، وتسمى بلغة العسكر "القنابل الدخانية"، التي تقذف لسلب العدو تركيزه وانتباهه، واعطاء المجال للمهاجمين للوصول الى اهدافهم.

اضافة اعلان

وفي ساحتنا السياسية، المحلية والعربية، الكثير من أنواع "الزفات". بل ان "ثقافة الزفة" دائمة الاستخدام، لكن المشكلة احيانا في المتابعين، او الناس الذين تنطلي عليهم اساليب الدهاء، فيعطون لبعض القضايا وصفا او فهما اكبر من حجمها، ويستغرقون في ايقاع الطبل والطبلة والمزمار والصراخ، وربما الالعاب النارية، ليكتشفوا بعد حين انهم ضحايا تم استغفالهم، وان "الزفة" كانت لتحرير مرحلة، او للتغطية على قضية حقيقية هامة، او ربما لاشغال الناس وانتزاع ايديهم من جيوبهم لممارسة التصفيق والصفير بدلا من استعمال عقولهم في التفكير بما يجري حولهم وعليهم.

ومشكلة الناس احيانا انهم يقعون ضحايا "الزفات" المتتابعة؛ فمن زفة تستعمل الطبل و"القربة"، الى اخرى تمارس الاهازيج والدبكات الوطنية، الى ثالثة... ويطلق على هذا الجمهور، باستحقاق، انه يملك كل مقومات الاستغفال والوقوع ضحية قلة خبرته، قبل ذكاء اهل "الزفة" ومحترفيها.

فعلى صعيد العالم، نعيش منذ العام 2001 وحتى الان "زفة" دولية تسمى الحرب على الارهاب. فالادارة الاميركية تعزف وتطبّل وتشتم الارهاب الذي صنعت بعضه، او عززت ادواته، عبر استغلال صدق البعض في مراحل سابقة. لكن الجميع تحت ضجيج الزفة الدولية، اصبحوا حتى لا يمارسون قناعاتهم، حين اصبح المقاوم وصاحب الحق ارهابيا، اما جندي الاحتلال فهو حامل رسالة الديمقراطية إلى الشعوب المحتلة.

واذا كانت الزفة الكبرى واضحة، فإن على المواطن دائما ان يحاول فهم كل "زفة" تجري حوله، وان يفرق بين جوهر الامور والضجيج الذي لا ثمرة منه. وبعض انواع "الزفات" يستغرق شهورا، وينفق من اجله مال واعلام، وربما يحتاج الامر الى اقالة البعض وتغيير الوجوه، وكل هذا من الاكسسوارات التي يراد منها اقناع الناس بان ما يجري امر جوهري. وبعض اصحاب القرار في عالمنا هم من الذكاء والقدرة بحيث يستغرقون في اداء الادوار، إلى الدرجة التي لا يصدق عندها احدنا انه يشاهد حدثا غير حقيقي! وهذا يشبه بكاء البعض وهو يشاهد مسلسلا حزينا، وكأن موت أو عذاب مستضعف فيه حقيقي، رغم أنه ليس اكثر من قدرة عالية للممثل والمخرج على حد سواء.

الفرق بين "الزفة" وجوهر الامور هو في المخرجات والنتائج. ولهذا، فإننا نمارس دهشة لم تعد مقبولة حين نستغرب النتائج المتواضعة او غير الملموسة لبعض الامور، مع ان علينا ان نمتلك، منذ البداية، القدرة على التفريق بين "الزفة" وصوت الطبل وصراخ فرقة الغناء وبين الأمور ذات الجوهر. وربما علينا ان نعيد وضع كل ما حولنا على طاولة لتصنيفها بين "زفة" وبين ما هو نافع، وهذا قد يجنبنا بعض الاحباط او الغضب من تمخض ما حولنا عن فأر. فالجمل الحقيقي لا يلد الا جملا، اما الفأر فحكاية لها علاقة بالسحر، او ان ما رأيناه ليس جملا ننتظر منه ان يلد.

[email protected]