السيد الأميركي في نظام شرق أوسطي جديد

من المتفق عليه أنّ الولايات المتحدة الأميركية هي الدولة الأولى عالميا من حيث أوراق القوة المختلفة؛ السياسية، والاقتصادية، والعسكرية، وأنّ لا منافس حقيقيا لها، ولا أقطاب دولية ضدها. ولكن من شبه الثابت أنّ العالم ليس أحاديّ القطبية؛ بمعنى أنّ الولايات المتحدة لا تمتلك القوة الكافية لتكون الدولة المهيمنة عالميا بشكل كليّ.اضافة اعلان
منذ سنوات، وربما عقد من الزمان، وهناك قناعة متزايدة بأنّ النظام الدولي أصبح "لاقطبياً" بقيادة أميركية نسبية؛ أي أنّ الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة الموجودة في كل مناطق العالم، عسكريا واقتصاديا وسياسيا، ولا يتوافر شيء كهذا للصين، أو روسيا، أو دولة أوروبية. ولكن في الوقت ذاته، يوجد في كل منطقة في العالم دول إقليمية مؤثرة في الأحداث، لا يمكن للولايات المتحدة تجاوزها. يشكل بعضها تحديا لها، مثل إيران في الشرق الأوسط، وفنزويلا في أميركا اللاتينية، وكوريا الشمالية في آسيا، فيما بعضها الآخر حلفاء أو أصدقاء، لكن لا بد من موافقتهم أو تعاونهم في ملفات معينة، لتمرير سياسات واشنطن والحفاظ على المصالح الأميركية. وهؤلاء الحلفاء لهم مصالحهم المنفصلة عن الولايات المتحدة، أو على الأقل لهم رؤى مختلفة؛ مثل الصين والهند في آسيا، والبرازيل في أميركا اللاتينية، والإسرائيليين.
في الشرق الأوسط، ما يزال هذا النظام قائما. ولكن السنوات الثلاث الأخيرة، وخصوصا بعد الثورات العربية، تعمق هذا النظام وأضيفت له اعتبارات جديدة.
يُعتقد أنّ السعودية ومصر وتركيا وإسرائيل دول مفتاحية في المنطقة، لا بد للولايات المتحدة من التفاهم معها بشأن أي ترتيبات إقليمية. وهذه الدول، بما في ذلك إسرائيل، لا توافق بالضرورة على ما تريده واشنطن دائما، بل قد تطلب من واشنطن أمورا لا تريدها وتعارضها الأخيرة أيضاً. ولكن واشنطن موجودة في كل الملفات، ولا يوجد دولة من خارج الإقليم مهمة ومؤثرة وقوية في الشأن الإقليمي كما الولايات المتحدة.
نحن نتحدث إذن عن "الدولة القطب غير المهيمن"؛ أي الفاعل والمؤثر، ولكن ليس الحاسم.
هذا الأمر ليس بالجديد كليا، فلم يكن ما تريده الدولة العظمى قدراً، ولكن الحقيقة هي أنّ صعوبة تأمين المصالح الأميركية صار أكثر تعقيدا، لأسباب أهمها تغيّر أدوات القوة، وطبيعة "الفاعلين" الدوليين. فالقوة العسكرية التقليدية لم تعد هي العامل الحاسم؛ فهي تستطيع إسقاط نظام عسكري كما في العراق، ولكن لا تستطيع أن تأتي ببديل مناسب بالضرورة. وقد تعلم الأميركيون ذلك، لذا يخشون تكرار السيناريو العراقي في سورية. ويرتبط هذا الأمر بقضية طبيعة الفاعلين؛ إذ لم تعد الدول هي العنصر الحاسم، فهناك الشعوب، والثورات، والتنظيمات، وجماعات الإرهاب، والشركات، وهناك الأفراد الذين يتواصلون عبر شبكات التواصل الاجتماعي، فضلا عن دول صغيرة تلعب أدوارا كبيرة، مثل قطر.
هناك أكثر من عامل يتطلب من الولايات المتحدة ترتيب شؤون الشرق الأوسط. أولها، وجود دول تتحدى النفوذ الأميركي مثل إيران (بدون أن يعني هذا عدم التقاء المصالح أحيانا). والواقع أنّ الحكومة الإسرائيلية أيضا تتحدى السياسات الأميركية، وتفرض عليها مسارا معينا. والفرق أنّه يجب التفاهم أو احتواء وكبح إيران، بينما يجب التفاهم مع الإسرائيليين وإرضاؤهم. وثاني العوامل هو فوضى ما بعد الربيع العربي، التي تطلب من دولة عظمى أن لا تنتظر حتى تجري الأحداث على نحو لا تسيطر عليه. أما العامل الثالث، فذكرني به صديق باحث مخضرم، بعد قراءة مقالي أول من أمس عن "السر التركي في السياسة الأميركية"، وهو كميات الغاز المكتشفة في البحار قبالة فلسطين ولبنان وقبرص، والتي تحتاج إلى تنسيق تركي-إسرائيلي-قبرصي-يوناني. هذا فضلا عن العوامل القديمة التي تتطلب معالجة، مثل القضية الفلسطينية.
ما يقوم به الأميركيون هو شبكة اتصالات واسعة، ربما في محاولة للتوصل إلى تصور بشأن ما يجب أن يكون عليه الشرق الأوسط، ثم محاولة التوصل إلى تفاهمات وتسويات مع القوى الإقليمية المختلفة، بما يضمن شرق أوسط جديدا ينسجم مع المصالح الأميركية.

[email protected]