الشباب أولاً

فجأة استيقظ العالم العربي على مشكلاتِ الشباب بعد أن مارس العنف ضدَّ نفسه الشاب التونسي محمد البوعزيزي. فجأة ظهرت مشكلةٌ البطالة وانسدادُ أفق المستقبل، وخواءُ الجيوبِ، وتحصيلُ الحقِّ باليد، وفقدانُ الإيمان بالحكم الراهن وأساليبه في إدارة الحياة والأزمات. فجأةً أدركت النظم العربية أنَّ للشبابِ مطالبَ، وأنَّ الشبابَ على حقٍّ في هذه المطالب، وأنَّ الأوضاعَ العربيَّة برمَّتها لم تعد تطاقُ، وأن الاستبداد وقمعَ الحريّاتِ والفسادَ والخضوعَ للإملاءات الأميركية والبنك الدولي لم تعد تُطاق، وأنَّ الفراغ قاتل والبطالةَ مميتةٌ، وأنَّ الحاجةَ والفقرَ المتزايدين أمام تغوُّلِ الثراء الفاحش هدرٌ منهجيٌّ للكرامة الإنسانيَّةِ.

اضافة اعلان

فجأةً صحت الأنظمة على فداحة التمديد والتوريث، وعلى الرَّأي الواحد المطلَقِ، وعلى حيْص بَيْص الفسادِ العارم. فَعَلا صوتُها أولاً بالتَّهديدِ، ثمَّ وأمامَ صلابةِ الاحتجاجِ تراجعت وقبلت بالإصلاحِ، وأمام تماسكِ الشبابِ فرَّ من فرَّ، وغامرَ بأمن البلد من غامر، في محاولةٍ يائسةٍ للبقاءِ على المزرعةِ والبقرة الحلوب!
ولكنَّ الشبابَ الذي تجاهلته الأنظمةُ طوال الوقتِ، لم يعد بإمكانه أن يفرِّطَ ببلده وبمستقبلهِ وبكرامته أكثر مما كان.

وعليه، فإنَّنا لن يكون بالإمكان إلا مواجهةُ واقعِ شبابٍ يلوذ بالغضبِ على كل شيءٍ مقابلَ أن يستردَّ شرفه المهدورَ، وكرامتَهُ التي امتهنها سادة الأمر والنهيِ والاستبدادِ وإبعادِ الآخرِ والتخلّي عن الحوار، والاستفرادِ بالسلطة والحكم والإدارة وتصريف الأمور، من دون أن يأخذَ الشعبُ حقَّه من الرعاية، ومن دون أن يُسمَحَ له بإبداء الرأي، أويُصغَى إلى مطالباتِه بالاشتراكِ الحقيقيِّ في الحكم. فالحاكمُ الذي يتخيَّلُ أن حريَّةَ التعبيرِ وحرية الاجتماعِ ستطيحُ بحكمِه، هو حاكمٌ نزقٌ ونرفوزٌ وعنيد وتنقصُه الحكمةُ. وعليهِ، فإنَ كتابَ التكليف الملكيّ الأخير (والحقيقة جميع ما سبقه) ليعتبَرُ حقاً آيةً بديعةً في الإحكامِ، يأخذ بالاعتبار كلَّ ما سبق، وينبثقُ عن رؤية عميقة للواقعِ الأردني غير منفصلٍ عن الواقع العربي. وهو إلى هذا يرسم خطةً واضحةً للحكومة إن لم تتهاونْ في تنفيذها نجحت في صَوْنِ كرامة الأردنيات والأردنيين، وفي تجنيبنا مآلاتٍ خطرةً لن يكون في صالحِ أحدٍ من الحكام والمحكومين بلوغُها، وهو امتحانٌ حقيقيٌ للوطنيَّةِ والانتماء اللذين لاكتهما الألسن طالعةً نازلةً!
وعليه، فإنَّ تشكيلاً فورياً لمجلسٍ أعلى للحوارِ يضمُّ في عضويتِه فقط من شباب الفيسبوك والمدونات ومن أهل الرأي من الأصوات المعارضة والناقدة حزبيةً أومستقلَّةً (ولا حاجة لمساحي الجوخِ أو دعاة التشدد والانغلاق أو المتسلقين والمستفيدين)، ومن الشخصيّات الوطنية ذات الرأي الرشيد، يمكنُ أن يكون بدايةً ممتازةً لفضِّ احتقان التجاهل والتهميشِ والإحساس المتزايد بأن ثمة من يحرثُ على أكتافنا. وليت أنَّ الرئيس يختار في وزارته من هذا الشبابِ الواعي الذي يملك رؤيةً وبصيرةً تليقان بالمرحلة!
كما أنَّه لابدَّ في رأيي من تمكين وزارتي الثقافة والتربية لتصبحا وزارتين سياديتين تعملان للشبابِ كلَّ ما من شأنِه أن يعيد تأهيلهم وإعدادهم خلُقاً وقيماً ومهاراتٍ، للتصدّي للتحديّات القائمة والقادمة، وتلبيةً لحاجاتهم الروحية والمعرفية والنفسية، وحاجات مرحلتهم وظروف بلدهم...
لا تَدَعونا نفقدِ الأمل...