"الشوام" في الانتخابات!

أقول الشوام اختصاراً، وأنا أقصد الأردنيين من أصل شامي أو سوري. ففي بلد الأصول والمنابت نأى الشوام بأنفسهم عن "معمعان" السياسة والتنافس السياسي، ورفضوا تصنيف أنفسهم فئة أو جماعة خاصة بناء على أصولها البعيدة أو القريبة.

اضافة اعلان

وحين انخرط أفراد منهم في العمل العام، فقد انخرطوا فيه من منطلقات أيديولوجية غالباً وسياسية ثانياً، وسعوا ما استطاعوا إلى تحييد أصولهم وحتى إبعادها كلياً. وهم يمارسون أعمالهم اليومية، وكأنهم يلبسون "طاقية إخفاء"، ظناً منهم أن الآخرين ينظرون إليهم، كما ينظرون هم إلى أنفسهم، أردنيون متعالون عن "صغائر" الانتماءات الفرعية أو الثانوية!

كان مؤنس الرزاز، رحمه الله، يروي قصته مع أحد رفاقه في الحزب مطلع التسعينيات، حين قرر الرفيق (أو قرر الحزب "!") أن ينزل في الانتخابات النيابية في الكرك. ابتهج مؤنس حين طلب اليه الرفيق المرشح العتيد أن يحضر، أي مؤنس، إلى الكرك ليدعمه في حملته الانتخابية هناك. يقول مؤنس: لقد ظننت أن الرفيق يطلب دعمي له باعتباري كاتباً قومياً أو روائياً أو رئيساً لرابطة الكتاب. لكني سرعان ما فوجئت (يقصد فُجعت) بأن الرفيق يطلبني للكرك لأن هناك "شوية شوام" أريد منك أن تتحدث معهم وتقنعهم بالتصويت لي!

أستعيد هذه القصة لأشير إلى الفارق الكبير بين إدراك الشوام لأنفسهم وبين إدراك الآخرين لهم. وكيف أنهم نُمطوا في قالب معين أصبحوا – مع الوقت - أسرى له، إن لم نقل أنهم قبلوا به وكرسوه بأنفسهم.

عُمْر الشوام في الأردن من عُمْر الدولة الأردنية، وبعضهم في وجوده في بلدات الأردن سابق على قيام الدولة، أي منذ كان الأردن وفلسطين جزءاً من سورية العثمانية، أو كانا يمثلان جنوب سورية. جاءوا في اطار الهجرات السكانية داخل الدولة الواحدة، ثم جاءوا بعد قيام الدولة إما للانضمام إلى الأمير عبد الله حين كان يتأهب لتحرير سورية الشمالية من الاحتلال الفرنسي، أو أنّهم جاءوا هرباً من البطش الفرنسي، وعلى إثر ثورات في جبل الدروز وحوران وغوطة دمشق، أو جاءوا طلباً للرزق، تماماً كما كان الأردني حينذاك يقصد فلسطين للعمل، أو يقصد دمشق للعلم.

وعلى مدار التاريخ الحديث للأردن لم يشكل الشوام طبقة بعينها، إذ كان بينهم الثري والميسور ومتوسط الحال والفقير. لكنهم في اغلبهم كانوا أصحاب "كار" أو مهن، وإن غلبت عليهم صفة التجار. وخلال هذا المسار كله، ومع كل التقلبات والأحداث الفارقة التي عاشها الأردن، لم ينشغل الشوام بتعريف أنفسهم، أو ابتداع هوية خاصة بهم ولم يتصرفوا كفئة أو جماعة مميزة، بل على النقيض صرفوا أنظار غيرهم عن فوارق الأصل والفصل، وتمنوا لو أن الأردنيين الآخرين امتنعوا عن تنميطهم.

عندما حررت ونشرت مذكرات المرحوم د. عبد الرحمن شقير في مطلع التسعينيات، أذهلني عدد الأسر الشامية التي آوت الملاحقين السياسيين والحزبيين الذين باتوا ملاحقين جراء الأحكام العرفية التي فُرِضت على البلاد، بعيد حل حكومة سليمان النابلسي وحظر الأحزاب السياسية عام 1957.

وأسعدني أكثر أن أجد كثرة معقولة من الشوام في عداد الناشطين في العمل الحزبي والعام، بعكس حالهم في العقود اللاحقة، حين ابتعدوا عن "شر السياسة" وركزوا جل اهتمامهم بأعمالهم ومصادر رزقهم، ما أدى، مع الوقت، إلى توأمة الشوام بالتجارة فإذا بهما وكأنهما "صنوان".

وعود على عنوان المقال، فإن نزول بعض المرشحين من أصول شامية إلى ميدان الانتخابات البرلمانية يحيلنا إلى علاقة الشوام بالسياسة. فالكبار من وجهائهم مرتاحون إلى حصتهم من الكعكة، ويودون أن لا ينخرط أي منهم في لعبة السياسة والنيابة، وأن يتركوا الساحة لغيرهم من المتنافسين، أما الأجيال الشابة منهم، فإنهم منشغلون في "البزنس"، شأنهم شأن أبناء العائلات من مختلف الأصول والمنابت الأخرى.

لذلك، يقل عدد اللاعبين الذين ينزلون إلى حلبة التنافس النيابي باسم الشوام صراحة أو ضمناً، ويفضل هؤلاء أن يقدموا أنفسهم بأردية مختلفة، ظناً منهم أن الناخبين يرونهم حسب الثوب الذي يقدمون أنفسهم به ويتجاهلون أن مجتمع التنميط يراهم، كما اعتاد أن يراهم، منمطين، فما الضير بأن يعلنوا عن أنفسهم، كما هم، أردنيين شوام الأصل، وأن يعتزوا بأصولهم كما يعتزون بهويتهم الأردنية؟!

[email protected]