الصحافة الأردنية: الإنجاز والقصور

لا يجوز التقليل من أهمية الإنجازات العامة والمهنية للصحافة الأردنية، ومن المهم عند تقويم مسار الصحافة الأردنية ملاحظة الإنجازات وأين وصلنا وماذا بقي علينا، فقد تقدم في مسار المهنة والحياة العامة والسياسية عدد كبير من الصحافيين العصاميين، وقدرة الصحافة الأردنية على توفير فرص التقدم المهني والشخصي أو أن توصل إلى الحياة السياسية والعامة عددا من منتسبيها يؤشر بالتأكيد على فاعليتها الاجتماعية.

اضافة اعلان

ويمكن بسهولة تذكر عدد كبير من الشباب الذين بدأوا العمل من الدرجة الأولى في السلم، وواصلوا عملهم وتدرجهم المهني وتعليم أنفسهم حتى أصبحوا صحافيين كبارا في مؤسساتهم أو في مؤسسات إعلامية كبرى عربية وعالمية أيضا، وهناك عدد كبير من النواب والوزراء والأعيان وقادة المجتمع الذين تشكلت خبراتهم وتجربتهم القيادية في العمل الصحافي، وهناك أيضا عدد من الصحافيين والإعلاميين هم في عائلاتهم من الجيل الثاني في مهنة الصحافة وهناك أيضا نماذج من الجيل الثالث في عائلته ممن يعمل في الصحافة، وهذا مؤشر بالغ الأهمية، بالطبع فإن الأمثلة الصحيحة لا تكفي للحصول على نتائج وأحكام صحيحة، ولكنها مؤشرات يجب أخذها بالاعتبار، وقد تستخدم المؤشرات نفسها للإشارة إلى وجهة النظر الأخرى.

ففي المقابل ثمة تساؤلات منطقية وموضوعية عن الاستمرار في المهنة وعن التقدم المهني والشخصي المتاح للعاملين فيها وعن تواصلها في الأجيال في العائلة الواحدة، فالأمثلة القليلة لا تكفي للإشارة على عافية العمل الصحافي.

كانت أزمة الصحافة في أهميتها وتأثيرها الهائل، لقد أضعفت هذه الأهمية المهنة والاداء، ففي مرحلة الدولة الحديثة والشموليات السياسية كان توجيه المجتمع والثقافة وإدارة الصراع الداخلي والخارجي يجعل الحكومة أكبر بكثير من أن تترك للصحافيين وللسوق والمجتمع كي ينظم نفسه واحتياجاته ومنها الصحافة، ولم تسمح لا الليبرالية ولا الشمولية للمجتمعات والأسواق أن تنظم الصحافة على أساس أنها سلعة وخدمة يحددها العرض والطلب.

ومن الغريب أن الليبرالية والشمولية في أنحاء كثيرة من العالم تواطأتا باتفاق ليس نادرا على أية حال على إضعاف الصحافيين، وعدم السماح بالتطور المهني والتقدم الاجتماعي والاقتصادي للصحافيين خارج منظومة التبعية السياسية، ولسوء الحظ فقد كانت حالات قليلة وغير كافية عندما اجتمعت الكفاءة المهنية مع الثقة، ثم جعلت أولوية الثقة وبوعي مسبق حالة إسناد العمل الصحافي والمهني للفاشلين والأتباع والأقارب والفاسدين مسألة غير نادرة، وامتد ذلك بعامة إلى أخلاق وتقاليد العمل والمهنة، حتى أصبحت سمعة الصحافيين في الوسط العام سيئة، وأصبح من الشائع، ولو كان ذلك غير صحيح إلا قليلا، لكن هذه القلة أنتجت فكرة نمطية سائدة عن الضعف المهني والأخلاقي والكسل والتحيز وفرص الشراء والرشوة.

وعندما اتسع العمل الصحافي وتضاعفت أسواقه وآثاره فقد أصبح هدفا لفئات وطبقات جديدة من المجتمع لم تكن تهتم بالعمل الصحافي كثيرا من قبل، وبرغم أنها ظاهرة في أصلها يجب أن تكون مشجعة ومصدرا لإغناء الصحافة والتشكيل الاجتماعي للعاملين فيها، فإنها في هذه المرحلة على الأقل تتحول إلى صراع اجتماعي غير متكافئ، وإذا استمرت هذه الحالة، والمرجح لدي أنها ستتواصل فإن الصحافة ستتحول إلى مهنة أنيقة ومعزولة تمارسها مجموعة من الشباب والصبايا الوسيمين والمدللين باعتبارها مدخلا للنجومية والبزنس الجديد.

New comers أو القادمون الجدد مصطلح يستخدم اليوم على نطاق واسع ليس في الصحافة فقط ولكن الصحافة ستكون الحالة النموذجية لفهم هذه الظاهرة، وسيشار إليها باعتبارها أهم هزيمة للمجتمعات والطبقات الوسطى!

ففي الوقت الذي كانت الصحافة، حتى الرسمية منها، مصدرا لحماية المجتمع من السلطة وقادة القطاع الخاص من التجار ورجال الأعمال وحلفائهم في الحكومة والمجتمع فقد تتحول إلى أداة بيد التحالف الجديد من رجال الأعمال والمسؤولين. وهكذا فكما كانت الصحافة عنوانا على التفاعلات والصراعات السياسية والاجتماعية بين الأحزاب والمعارضة وبين السلطات والنفوذ المتحالف معها والمستمد منها فإنها تتحول إلى شاهد على انتقال الصراع من كونه بين الحكومات والمعارضة السياسية إلى كونه صراعا بين المجتمعات والطبقات الوسطى وبين "الإقطاع الجديد".