الصدق مع الذات والناس

امس، صدر بيان عن 19 كاتبا صحافيا يعلن موقفا بسيطا وواضحا بشأن سورية، إذ يقول: لا نريد ولا نقبل اجراءات حصار وعقوبات ضدها، ونقلق كثيرا عليها، لكن الحلّ المطلوب هو التحول نحو الديمقراطية، والتعاون التام مع لجنة التحقيق الدولية. ودعا البيان كل القوى العربية إلى اعتماد هذا الموقف بوضوح وصراحة.

اضافة اعلان

هذا هو، بعبارتين مختصرتين، جوهر البيان، فهل ثمّة خطأ في هذا الموقف؟! لن تجد من يقول لك "لا"، لكن لن تجد كثيرين يقبلون ان يشهروا معك هذا الموقف! أكثر من ذلك، لم يجد البيان طريقه إلى النشر في بعض وسائل الإعلام، وأخرى نشرته على استحياء، مختصرا في مكان قصيّ! وقد يكون عذر البعض فنّيا، لكنني اعرف ان العقلية السائدة مازالت تخضع لمائة اعتبار غير الموقف المبدئي. وفي اقصى الحالات، هناك دائما سبب وطني وجيه، يتمثل في اننا لا يجب ان نكون في خانة الاميركيين الذين يستهدفون الان سورية.

ثمّة ازدواجية متأصّلة مازالت تتحكم بنا، مع اننا نحترف التباري في اثبات ازدواجية المعايير الاميركية! وأمسِ فقط، في حوار بين بعض الكتاب والدبلوماسيين السابقين مع مساعدة وزيرة الخارجية الاميركية لشؤون الامم المتحدّة، التي تزور الاردن مع وفد في جولة في المنطقة، انصرف ثلاثة ارباع الحديث إلى تظهير ازدواجية المعايير الاميركية.

سوف ننتصر حتما في كل خطبنا ومقالاتنا ونحن نحاول اثبات ازدواجية معايير "الآخر"، لكنه نصر سهل وبلا اهمية طالما اننا لا نتحدّى انفسنا في هذا الشأن ايضا. وفي اعتقادي، ان مجموع الكتّاب الذين وقّعوا على بيان أمسِ، في واقعة نادرة (او يتيمة!) حول الموضوع السوري الساخن، إنما ارادوا دخول هذا التحدّي، وان يكونوا واضحين وصادقين ومنسجمين في عرض قناعتهم، والدعوة إلى الاشتراك بها مع آخرين.

هناك، كالعادة، طريقة عتيقة في التفلت من مواجهة الحقائق؛ هناك دائما خصم خارجي يؤجل الحساب الداخلي. وبعد كارثة اجتياح الكويت وتدمير العراق، تأجل الحديث في اصلاح الداخل دزينة كاملة من السنوات بحجّة الحصار، حتى دخلت اميركا العراق.

ابدا ليس الخصام مع اميركا هو جوهر المشكلة؛ فمنذ العام 1967 والديمقراطية على جدول الاعمال العربي كدرس حاسم، وكنّا نسخر من التحجج بالمعركة لقمع المعارضة، والعجيب ان الحيلة نفسها مازالت تستخدم حتى الساعة! فكلما اقترب استحقاق المساءلة عن اداء انتج مأزقا، يظهر الصراخ المعهود: الذئب.. الذئب! قد يكون الذئب بدأ يحوم فعلا، لكن لنسأل عن  الرائحة القوّية التي جذبته؟! مسار الاحداث يوضح ببساطة ان النظام في سورية تورط في اخطاء قاتلة، وأوغل في معالجة الاخطاء بالخطايا، واميركا لديها كل الاسباب لتستثمر هذا. ولن يعدم النظام الامل في صفقة للخروج من المأزق، لكن هذا يعني النظام فقط، ويحلّ مشكلة الفئة الحاكمة التي لا تريد التنازل ابدا عن سلطتها وامتيازاتها، امّا الوطن والبلد والناس، فقد قال البيان بالضبط ما هي مصلحتهم وماذا يريدون.

[email protected]