الصراعات بين أصدقاء أميركا

 

 إدارة أباما لن تخاطر بالمصالح الأميركية من أجل صراعات ثانوية بين أصدقاء أميركا ولن تسمح لأيّ من حلفائها بفرض أجندته الخاصة على الاستراتيجية الجديدة لأميركا

اضافة اعلان

عند الحديث عن أصدقاء أو حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، يصعب الحديث عن لون واحد من الحلفاء، كما يصعب النقاش بشأن هؤلاء الحلفاء بوصفهم شيئا واحدا غير متمايز. فسياسات حلفاء واشنطن في المنطقة ليست متشابهة دائما أو واحدة، وكذلك مصالحهم واستراتيجياتهم. فتركيا غير إسرائيل، ومصر غير قطر، والسعودية والأردن غير العراق ... إلخ.

والاختلافات بين حلفاء واشنطن في المنطقة فيما يتعلق بالأولويات وسلّم المصالح قد تفضي إلى خلافات فيما بينها في السياسة الخارجية، ناهيك عن توافر ملفات عديدة (مشاكل حدودية، ديون مستحقة، ملفات أمنية...) تدلّ على أن "الاشتراك في التحالف والصداقة مع أميركا" لا ينفيان الاختلاف والخلاف والصراع بين الحلفاء.

ولعل أحد أبرز الأمثلة على ما تقدم الخلاف المتصاعد منذ فترة بين قطر ومصر. ولقد كان لافتاً لأي مراقب تركيز شريط الأنباء في قناة "الجزيرة" بعد انعقاد قمة الرياض في 11/3/ 2009 على خبر مفاده بأن تحفظات مصرية حالت دون دعوة دولة قطر إلى المشاركة في قمة الرياض، التي استضاف فيها العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز الرئيسين المصري والسعودي إلى جانب أمير دولة الكويت.

إذاً ثمة برود في العلاقات بين الدوحة والقاهرة، وربما تكون كلمة "برود" تعبيرا ملطّفاً لكلمة "أزمة". وأساس الخلاف يكاد ينحصر ربما في:

أولاً، اختلاف رؤيتي القاهرة والدوحة بشأن الملف الفلسطيني عموما، وشكوى القاهرة من ردود فعل قطر تجاه الحسم العسكري لحماس في غزة ثم طبيعة تعاطيها مع الحرب الأخيرة على غزة، وموقف مصر بشأن معبر رفح، ناهيك عن تنظيم قطر قمة استثنائية في الدوحة من أجل غزة (قمة غزة) على الرغم من المعارضة المصرية الشديدة لذلك.

ثانياً، العلاقة المتنامية بين الدوحة وطهران، بخلاف التوتر في العلاقات بين طهران والقاهرة.

ثالثاً، ترى مصادر إعلامية عدّة أنه إضافة إلى مشاكل مصر مع قناة "الجزيرة"، فإن المسؤولين المصريين يرون أن الطريقة التي تمّت فيها دعوة مصر إلى قمة الدوحة التي ستنعقد بعد أيام، لا تخلو من "استخفاف" لجهة إرسال قطر وزير الدولة عبدالله بن خليفة العطية بدلا من رئيس الوزراء القطري. وعليه يدور حديث يتسع عن احتمالات غياب الرئيس المصري عن قمة الدوحة كرد فعل على هذه الأمور، وسيُضاف إليها سبب آخر يتعلق باحتمالات دعوة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إلى القمة.

وفي الواقع إن للدوحة أولويات ومصالح تضع وفقاً لها أجندتها ومواقفها وسياساتها، وهذا حقها، كما أن للقاهرة الأمر ذاته. ولقد كنّا متفائلين حين الدعوة إلى قمة الرياض أن تكون فاتحة لمصالحة عربية شاملة، لكنْ يبدو أن تفاءلنا اعترته المبالغة.

وقد نشرت "ميدل إيست تايمز" الأميركية في السادس عشر من هذا الشهر تقريرا بعنوان "ما الذي يدفع قطر" ناقشت فيه الخلاف بين الدوحة والقاهرة، وطرحت سؤالا مهما حول كيفية تعاطي واشنطن، في ظل إدارة باراك أوباما، مع الصراعات بين حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وقدّمت طرفا من الإجابة عن ذلك في نقطتين:

أولاهما، أن الرئيس أوباما، الذي يحاول وضع استراتيجية لإشراك الشرق الأوسط برمته في عملية السلام، لا يملك سوى النيات الحسنة تجاه المساهمة القطرية في ذلك.

ثانيتهما، أن إدارة أباما لن تخاطر بالمصالح الأميركية من أجل صراعات ثانوية تقع بين أصدقاء أميركا، ولن تسمح لأيّ من حلفائها في الشرق الأوسط لفرض أجندته الخاصة على الاستراتيجية الجديدة لأميركا.

وأنا أطرح هنا أمام القارئ الكريم مسألة للنقاش بكل تجرد وموضوعية ملخصها: إن قطر تدرك أن تحالفها مع أميركا أولوية استراتيجية، لكنها لا تكتفي بذلك، وتسعى لتوسيع خياراتها الاستراتيجية مع أطراف عدّة ومتناقضة أحيانا، وإذا كانت مثل هذه الخيارات تضرّ بالمصالح العربية فالأولى أنْ تناقش في السياق العربي- العربي، زد على ذلك أن الحديث باستهانة عن حجم قطر كدولة ينبغي التوقف عنه لعدم انسجامه مع لغة السياسة اليوم، ناهيك عن أن البحث عن النفوذ وتوسيع الدور وتكبير دائرة المصالح لا يجوز أن ينحصر توصيفه بـ"الانتهازية" و"الخروج عن الصف".

هذا موضوع للجدل والنقاش والأخذ والرد.

 [email protected]