الصمت خطيئة!

قصة الفتى الصغير محمد قطاع، من حلب، والذي تقول مصادر حقوقية سورية إنّه جُلد وأُعدم بالرصاص على أيدي ثلاثة متطرفين، هي صورة مرعبة ومفزعة.
وبالرغم من تبرؤ جبهة النصرة (القاعدة) من هذه الحادثة، وكذلك الهيئات الشرعية التي تقوم بتولّي القضاء الأهلي خلال الفوضى الحالية في المناطق المحرّرة، إلاّ أنّ تكرار الحوادث، ووجود ممارسات شبيهة، بل وخطابات معزّزه لها مؤيّدة لهذا السلوك الهمجي الأرعن، كل ذلك يدفع إلى القلق الشديد من اختطاف الثورة من قبل المتطرفين.اضافة اعلان
الخشية على الثورة السورية وأهدافها الحقيقية والسامية التي قامت من أجلها أصبحت مشروعة اليوم، بل وواجبة، عندما نقرأ ونشاهد هذا الكمّ الهائل من المجموعات والجماعات التي تتحدث بخطاب طائفي معادٍ للآخر، وتعلن أنّ هدفها إقامة دولٍ إسلامية، وترفض صراحةً القبول بمبدأ الدولة المدنية والديمقراطية، وتشكّل خطراً حقيقياً على التعددية الثقافية والسياسية والدينية والاجتماعية، وعلى الحريات العامة والفردية.
الخطيئة الكبرى التي نقترفها بحق السوريين والثورة، هي عندما نصرّ على أن نتجاهل، ونغض الطرف عن ممارسات المجموعات الدينية المتطرفة في سورية، بحجّة عدم منح النظام السوري ذرائع، أو القلق من صبغ الثورة السورية بهذه الصبغة الظالمة.
ذلك أنّ المسؤول، أخلاقياً وسياسياً، والمستفيد من حرف مسار الثورة السورية، هو (أولاً) النظام السوري، بما ارتكبه من مجازر بشعة ودموية، وقتل وإبادة، وجرّ الناس جرّاً إلى "عسكرة الثورة"، عندما لم يُبق لهم خياراً إلاّ الدفاع عن أنفسهم وأعراضهم وكرامتهم؛ وهو (ثانياً) المجتمع الدولي الذي ما يزال يتواطأ ويتلكّأ في وقف حمّامات الدم والمجازر البشعة في سورية، ما يترك الفراغ واسعاً للخطاب المتطرف، وللجماعات المتشدّدة، تحت وطأة الإحباط وخيبات الأمل من تخاذل العالم والعرب عن إنقاذ الشعب السوري!
ليس ذلك فحسب، بل كانت أبرز أهداف النظام السوري، منذ بداية الثورة، استدراجها نحو العسكرة، وترك المجال واسعاً للإسلاميين المتشدّدين، والمقرّبين من خطّ "القاعدة"؛ إذ أمر الرئيس السوري في الأشهر الأولى من صعود حركة الاحتجاجات والثورة بإطلاق سراح مئات المعتقلين الإسلاميين المقرّبين من خطّ "القاعدة" أو الذين يدورون في فلكها، وهم من تمكّنوا خلال الفترة الماضية من تأسيس مجموعات صغيرة، وضم أعداد أخرى إليهم، ويقومون بدور فعّال في المقاومة المسلّحة.
يخشى كثير من مؤيّدي الثورة السورية، وأنا منهم، أن يؤثّر فتح موضوع هذه الجماعات والمجموعات على الروح المعنوية والقتالية للثوّار على الأرض، وربما يؤدّي إلى مشكلات وصدامات داخلية، ما يخدم النظام السوري في نهاية اليوم.
هذا الهاجس ربما كان قويّاً وواقعياً في مرحلة سابقة. لكن عندما نتحدث اليوم عن مساحة واسعة من الأراضي المحرّرة، وعن سلوكيات خاطئة، ومخاطر من سيناريو الفوضى الداخلية والحرب الأهلية، فإن عملية التمييز والفصل بين الخطاب الحقيقي للثورة الشعبية وأهدافها ومنطلقاتها وبين المجموعات التي تقاتل بمرجعية مختلفة وتسعى لأهداف مناقضة لجوهر مطالب الثورة، تصبح عملية ضرورية ولها الأولوية، حماية للثورة نفسها.
الفصائل الإسلامية المسلّحة، كذلك، ليست في سلّة واحدة، بمن فيها السلفيون أنفسهم؛ إذ هناك حركات معتدلة يمكن التفاهم معها على الأهداف والأسس وإدارة اللحظة الراهنة، وهناك مجموعات متشدّدة، من مصلحة الشعب السوري ومطالبه المشروعة أن يتم تحجيمها وتحييدها، وعزلها –على الأقل سياسياً- عن الخط الأساسي لأهداف الثورة.
هذه الحيثيات تضع مسؤولية عظمى على عاتق الإسلاميين المعتدلين والمثقفين والفنانين، السوريين والعرب، لحماية الثورة من الاختطاف، فلا تذهب كل التضحيات الرائعة والعظيمة برسم المجموعات المتطرفة!