"الصوت الثاني"

حين قارب فولتير مفهوم التسامح وحقيقته لفت انتباهه ما يمارسه التجار وأصحاب المال بشكل تلقائي في أسواق التجارة والصيرفة، وأطلق تمنياته في أنْ يُعمم هذا التسامح ليشمل مستويات الحياة الاجتماعية كافة، وأنْ يرتفع الناس إلى مستوى الوعي بضرورته. واللافت أننا بعد كل هذه العقود على كلام فولتير وغيره، ما نزال بحاجة إلى مثل هذا الحديث، وتكرار البدهيات، وما زالتْ الأمنيات منعقدة، بأنْ تغيّر الحداثة نظرة الإنسان إلى العالم، بعدما شككتْ، كما يقول داريوش شايغان، لأول مرة في صحة تلك المعادلات الاحتكارية التي ساوت بكل برود واستعلاء بين الذات والفضيلة، فجاءت الحداثة لتركّز على المشترك الإنساني ـ بعيدا عن الخصوصيات الظاهرية ـ وهذا المشترك هو العقل.

وكان مقدّرا للعولمة أنْ تتيح للناس، خاصة في الدول النامية، فرصة ثمينة لإعلاء سقف ما يجمع بين البشر، والمراهنة على أنّه أكثر بما لا يُقاس مما يفرّقهم ويباعد بينهم. لكنّ تعاطي كثيرين في هذه البلدان مع العولمة وكأنها مؤامرة، جعل الاستفادة من ثورة الاتصالات، تتخذ، في مساحات واسعة من تلك البلدان، وفي عمقها العالم العربي، شكل رد الفعل المعاكس الذي يتوسّل الهوية حِصناً بمواجهة ما تفرضه العولمة من إحداثيات وحقائق. وغفل هذا الوعي عن أنّ العولمة لا تعادي الهويات ولا التنوع والتعدد، بل تقدّم من المحفزات لهذه الهويات (حين تنفتح) لأنْ تلبي شروط العصر، ومنطق التطوّر لكي تبقى عنصر إضافة لهذا العالم، لا عبئا عليه.

وإذْ نظر الكثيرون إلى الهوية بوصفها سياقا مغلقا، وإلى الخصوصيات وكأنها على خصومة مع المشترك الإنساني والتواصل والتسامح، زادتْ الشكوك في أنْ تكون العولمة فرصة لنا، ذلك أننا حين اعتقدنا أننا ضحيتها ابتعدنا عن مزاياها ورحنا ندفع ضريبة هذا الاعتقاد مزيدا من الانسحاب عن شروط العصر، والاندماج في منطق الحداثة، عبر إنتاج نجاحات محلية تغري الآخرين بالأخذ بنماذجها وتمثّل مضامينها، وبالتالي خروجها عن نطاق المحلية.

إنّ تحدي "تآكل التنوع وارتفاع التمييز" وتراجع التسامح وتنامي سوء الفهم بين المختلفين في الدين أو العرق أو النوع، مسألة ما تزال تكتسب راهنيتها، وتتطلب (عبر الفن والأدب والسينما) تعزيز العمق الثقافي الجامع بين مختلف الأعراق والجنسيات والثقافات وجمعها تحت سقف واحد، هو سقف الثقافة والمعرفة والكلمة بكل تنوعها وتعددها واختلاف أصواتها، وهذا الهاجس ( حتى لا تكون هذه المقالة تعميما للتشاؤم) هو ما دفع، مثلا ، "هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث" لإطلاق مبادرتها نهاية 2009 "ثقافات الشعوب"، وهي كناية عن 72 كتابا تتضمن ترجمة لمئات الحكايات والقصص والأساطير والخرافات من التراث الشعبي العالمي، ترسيخا للمشترك الإنساني الجامع، حيث يخرج، برأي الهيئة، من يقرأ تلك الحكايات بتصوّر مفاده بأنّ ما اصطلحت البشرية على تسميته "عولمة" منذ سنين، كان متحققا بدرجة أو بأخرى منذ مئات بل آلاف السنين.

وفي إشرافه على "بيت العود" في أبو ظبي يسعى الموسيقيّ العراقي نصير شمة، كما جاء في حديث له قبل أيام مع صحيفة "القدس العربي"، إلى تطوير مفهوم للتأليف الموسيقيّ يحاول اختراق الذائقة العربية التي ارتبطت، برأيه، بنموذج مسرِف في غنائيته، لكنه مصمم على أنّ هذه الذائقة ستتقبل ما يسميه بـ"الصوت الثاني" عبر الموسيقى كما حدث للإمبراطورية الرومانية. شمة يقصد بالصوت الثاني التعدد، و"الآخر" الذي بانعدامه ينعدم المجال الحيوي للتعدد والتنوّع.

اضافة اعلان

إذاً، "الصوت الثاني" دعوة، بلغة الموسيقى، لاحتضان التنوّع وعدم الخوف منه، فالبشر على مدار التاريخ سعوا لتوسيع خياراتهم، وابتكار مزيد من الألوان في حياتهم، فالحرية كثرةُ الألوان، وتنوّعُ الأصوات، وعلى ذلك خلق الله تعالى الكون.

[email protected]