الطالبية زيارة غير أخيرة

"سنظل معكم..هذه ليست آخر زيارة" هكذا أنهى الملك لقاءه يوم امس مع ممثلي ووجهاء مخيم الطالبية الواقع 35 كم جنوب عمان والتابع للواء الجيزة، الزيارة الثانية لأطراف عمان الفقيرة او التي تعاني من تدنٍّ في الخدمات في شهر كان يرى البعض انه اقرب للعطلة وهو اليوم اكثر زخما واهتماما نحو الداخل، فقبل اسبوع كان الملك يطل على سحاب شرق عمان، وها هو اليوم في الخاصرة الجنوبية لعمان.

اضافة اعلان

الطالبية، آخر مخيمات اللجوء والفقر في الطريق جنوبا، كم من مرة يمر المرء من صوب تلك الطريق؟ لكننا لا نتجاوز غالبا الشارع الرئيسي، وخلف ذلك الشارع عالم آخر، أمس وقف الملك على حاجات المواطنين هناك، اكثر من ثمانمائة وحدة سكنية تغطي سبعمائة منها ألواح الزينكو، حيث برد الشتاء القارس ونار الصيف اللاهب، لكن لم تكن تلك المشكلة فقط، فهناك تدنٍّ في خدمات الصحة والتعليم وقطاع الشباب...إلخ.

عالم الصفيح الذي تشكل بعد عام 1968 وامتد اليوم ليشكل كتلة بشرية يمكن ان تستثمر طاقاتها سيكون افضل حالا، بعد أن تحل مشاكل الناس التي اوضح رئيس الوزراء نادر الذهبي البدء بحل جزء كبير منها وبخاصة مشكلة محطة التنقية وتزويد نادي شباب الطالبية بواسطة نقل والبدء بتوسعة مدرسة البنات الثانوية وتأهيل المركز الصحي من مركز اولي إلى مركز شامل.

هي جولة اخرى من جولات الملك، ليس فيها اسرار كثيرة، بل احيانا تتشابه الحاجات، لكن السؤال ما الذي يمكن ان تقدمه تلك الزيارات لمواطني الاطراف غير المعنيين كثيرا او حتى لا يرغبون بسماع احاديث السياسة في صالونات عمان؟

تقدم الزيارات للناس فرصة اللقاء المباشر مع الملك، وتتجاوز ذلك بتحقيق فضيلة الإنصات المباشر من قبل الملك لحاجاتهم، وهذا هو المهم ولب سياسة المُلك. ثمة طرق كبيرة لتكسب ثقة الناس، لكن ليس من طريق افضل من ان تكون جزءا من مشكلتهم فتحلها او تجترح لها البدائل مباشرة وتتم متابعة الانجاز فيها، ومشاكل ناسنا بسيطة، مطلبية ليست وجودية، كما في بعض الدول الاخرى.

المعاني في تلك الزيارات كثيرة، وفي كل مرة نجد ان الناس تجمعهم فرحة واحدة، وهي ان سيد البلاد شرّفهم في ذلك اليوم او في تلك الزيارة التي تعني الكثير عند الملك والحكومة ايضا، فالميدان هو خير وسيلة لمعاينة هموم الناس وبالتالي تحقق تلك الزيارات نتيجتين. الاولى: إعادة بث الدماء في الإدارات المحلية بدفعها لتحقيق المطالب التي يسمعها الملك ويأمر بها ويعود ربما لمتابعتها بعد ستة اشهر من جهة، والثانية مراجعة موقع المواطن من الحكومات والسياسات العامة.

اخيرا إذا ما تحقق ذلك، يكون الاردن بحق يقدم نموذجه الفريد في الحكم، التواصل بين اطراف المكون السياسي لحل جميع التحديات هو الانجاز الاكبر، مع نمو بطيء في العملية الديمقراطية التي بدأت تنعكس آثارها على الاطراف، وهذا ما حدث في القويرة والحسا والاغوار وسحاب وأمس في الطالبية، شباب وشابات درسوا الاحتياجات وقدموا خلاصة لها ثم يكون العمل على اساس الدراسات، ليس كما كان سابقا يتسم بروح غنائمية او جهوية. ذلك النموذج هو الذي يرسي القاعدة لحياة ومستقبل سياسي وإصلاح اقتصادي واجتماعي صحيح، وهذا هو جوهر التغيير، فالإصلاح لا يكون إصلاحا إذا لم يستجب لصوت الداخل المحتاج والبعيد عن عين النظر.

    [email protected]