الطلبة والسياسة والجامعات

ميشيل عفلق كان معلما، والذي جعله يبقى حيا أنه أثر بطلبته؛ فهو أول من أسس جماعة سياسية شبابية منظمة باسم "الإحياء العربي" التي أصدرت بيانها الأول في شباط 1941. وما لبثت هذه الجماعة أن وضعت مبادئها القومية موضع التنفيذ عندما أعلنت تأييدها لانتفاضة رشيد عالي الكيلاني في العراق ضد الاحتلال البريطاني عام 1941، وأسست "حركة نصرة العراق".

اضافة اعلان

آنذاك في عمان كان طلاب مدارسنا في هذه الأجواء العالمية والأفكار القومية، ففي مذكرات زيد حمزة نجد ما يلي:" بعد عودتي من المدرسة معافى من جروحي البليغة التي أصبت بها في تظاهرات تأييد ثورة رشيد عالي الكيلاني...جاء طلبة كبار في تظاهرة من المدرسة الثانوية ودخلوا صفوفنا عنوة وطلبوا الالتحاق بهم وهم يهتفون يعيش رشيد عالي الكيلاني ويسقط الاستعمار ويسقط وعد بلفور وتعيش فلسطين عربية... استمرت التظاهرة وانضم لها مواطنون آخرون وهي متجهة لقصر رغدان.."(ص20). في الكرك أيضا كان حسني فريز وبعد فترة سالم صقر المعاني وداود المجالي يقودون الطلبة نحو السياسة ولطالما أنقذوهم من الاعتقال، وكانت أفكار الطلبة قومية وطنية إنسانية ضد الانتداب والظلم مع فلسطين.

بعدها بعشر سنوات كانت ثانوية اربد بإدارة عبد اللطيف الحسيني وبوجود المدرس واصف الصليبي تعد قادة المستقبل. يقول فالح الطويل في مذكراته "كان مدير المدرسة يصر أننا قادة مستقبل ومعنا من الطلبة المذيع سامي حداد ومحيي الدين المصري ومهران يوسف وزياد المعايطة، وكان ماجد الريحاني، مسيحي من الحصن، يقود مشروع الطالب الفقير ثم رفع صوته عاليا وقال هيا بنا للشارع، وردد الجميع وراءه "يا ظلام السجن خيم...". وكانت في الطرف البعيد تتدافع الأجساد بشكل قوس في مركزه شاب ممتلئ أشقر اسمه زياد أبو غنيمة جاء من مدرسة العروبة الثانوية التي ظلت توصف بأنها الثائرة.

في دفاتر مدارسنا الكثير أيضا؛ مؤتمر الطلبة الأردنيين العام 1935، وهناك قيود التحقيق مع الطلبة الذين تظاهروا في السلط العام 1934 وذاك زمن كان فيه طلبة الأردن يجدون أمامهم أساتذة مؤثرين وقامات كبيرة تعلمهم أن المواطنة والوطنية تقتضي ممارسة موازية في الانتماء والذوبان في تراب الوطن، وليس حرقه وتدمير ممتلكاته!! كانت لنا قصص طلبة جميلة، وكان لنا في الجامعات ما هو أجمل حين كان من الأساتذة نبيه عاقل وكمال أبو ديب وناصر الدين الأسد وفاخر عاقل وعبد العزيز الدوري وآخرون كبار، يمرون بين الطلبة وكأنهم سدنة حكمة.

كانت الجامعات بلا سياسات قبول موحد، بلا استثناءات بل كانت هناك حرية في الدراسة، وكان ابن الكرك يسكن مع ابن السلط في اربد، ثمة مساواة في القبول والتعيين، وكانت العقوبات لا تنهيها الواسطات، وكانت البيوتات والآباء يسائلون أبناءهم عن الفعل الرديء، كان العيب بيّنا، ولا يقال: "جهال".

كانت السياسة تبدأ بالمدرسة وتنمو في الجامعات. اليوم، لا يمكن أن يعود الطلبة لما كانوا عليه من وعي فكري وسياسي، ومع ذلك فيهم نسبة طيبة عقلانية واعية مسيسة، لكن المشهد فيه أمل ومشاريع قادة من الطلاب برغم كثافة الرماد.

[email protected]