العجز التجاري والسياسات الاقتصادية- رد على بسام الكساسبة

اورد السيد بسام الكساسبة في مقاله (15/12/2004)   حول العجز في الميزان التجاري والمتسببين في هذا العجز وكأن الامر اصبح كارثيا لا يمكن تجنبه وجعل من العجز التجاري مؤشرا اختزل فيه الفشل الذريع للسياسات الاقتصادية بمجملها ولا اظنه استثنى واحدة منها.

اضافة اعلان

 

وللأمانة العلمية بعيدا عن الدفاع عن السياسات والساسة والاقتصاديين والمحللين الذين ضلوا الطريق وانطلت عليه الارقام المجزوءة والمضللة كما يصفهم اورد بعض الامور تبيانا للحقيقة واستجلاء للامر.

 

تعامل السيد بسام بأرقام التجارة الخارجية الصادرة عن دائرة الاحصاءات العامة كغيره من المحللين الاقتصاديين واصحاب القرار وصانعي السياسة واورد هذه الارقام بكلياتها وبعيدا عن محيطها العام وعن ارتباطها بمؤشرات ذات دلالة واضحة. وارقام التجارة الخارجية, اذا اردنا ان نصل الى تحليل سليم غير مضلل لها فلا بد من الرجوع لسلسلة من السنوات السابقة وربطها بهذه المؤشرات المشار اليها وكلما طالت هذه السلسلة وضح الامر اكثر وانجلت مواطن الابهام, فلو نظرنا على سبيل المثال الى العجز التجاري كنسبة الى حجم التجارة الخارجية بشقيها الصادرات والمستوردات لوجدناه اخذا بالتناقص ولعله في هذا العام والعامين السابقين قد وصل الى ادنى مستوياته حيث بلغ 29% و 30% للعامين السابقين على التوالي و 33% للعشرة اشهر الاولى من هذا العام واظنه سيعود الى اقل من ذلك مع نهاية العام في حين وصل الى 42% في عام 2000.

 

اما لو اخذنا مؤشرا اخر لم يتطرق اليه السيد بسام وهو مستوى تغطية الصادرات لما نستورده شهريا وسنويا وعلى مدار سنوات, لوجدنا ان هذا المؤشر يرتفع باستمرار وقد وصل اعلى مستوياته في العامين 2002 و 2003 فوصل الى 55% و 54% للعامين المذكورين على التوالي, وبنسبة 51%5 للعشرة اشهر الاولى من العام الحالي ولنكن مع التفاؤل بأنه سيزداد عند قفل الحسابات لهذا العام.

 

اما اذا تعمقنا قليلا في تحليلنا للصادرات والمستوردات على مستوى العشرة اشهر الاولى من هذا العام كمثال, وبحثنا في ماذا نتسورد وماذا نصدر واين يكمن العجز المشار اليه وهل هو عجز كارثي ام عجز قد يكون الى حد ما في صالح الوطن وفي صالح ابناء الوطن.

 

فلو قمنا بتقسيم الصادرات والمستوردات الى سلع استهلاكية ومواد اولية ووسيطة وقطع غيار وسلع رأسمالية, ثم اخذنا المستوردات لكل قسم على حدة لوجدنا ان استيراد السلع الاستهلاكية يصب في رفاه ابناء الوطن حيث يقومون باستهلاك هذه السلع المستوردة لعدة اعتبارات منها على سبيل المثال لا الحصر:

 

(أ) اعتبار هذه السلع لا بديل عنها في السوق المحلي ولا بد من استيرادها حتى لا نحرم ابناء الوطن من التمتع بها كغيرهم من خلق الله محققين لهم مستوى مقبولا من الرفاه.

 

(ب) اعتبار ان هناك بديلا لهذه السلع في السوق المحلي وهذا البديل قد يكون من الرداءة بمكان ووجود السلع المستوردة البديلة في السوق ستطرد هذه السلع والتي في الحقيقة لا حاجة لنا بها لأنها ستضر في اقتصاد الوطن عاجلا ام اجلا.

 

ولو قمنا بتحليل بسيط لحجم واهمية هذه السلع الاستهلاكية في مستورداتنا للعشرة اشهر الاولى من هذا العام لوجدنا ان المستوردات منها شكلت 1133.3 مليون دينار, مقابل 1283.1 مليون دينار صادرات وبذلك نكون قد حققنا فائضا تجاريا في هذه السلع وصلت نسبته الى 6% من حجم التجارة في هذه السلع وتغطية صادرات وصلت الى 113.0% وهذا يدل دلالة واضحة على اننا لسنا ترفيين في استيرادنا ولدينا ما يغطي مستورداتنا في هذا المجال والزيادة دالة دلالة واضحة على فعالية صناعاتنا الاستهلاكية ومدى التقدم فيها.

 

اما استيرادنا من المواد الخام والسلع الوسيطة وقطع الغيار فهو ايضا يعد من الضرورة بمكان ولنا ان نتخيل كيف سيكون الوضع بالنسبة للمصانع وللآلات وقطاع النقل اذا لم يكن لدينا استيراد في هذا المجال, وقد بلغت مستورداتنا من هذه السلع للعشرة اشهر الاولى من هذا العام 2784.2 مليون دينار, وصادراتنا منها 853.6 مليون دينار بنسبة عجز الى مجموعة التجارة في المجال نفسه بلغت 53%, وبنسبة تغطية تعدت ال 30% وكلما قلت نسبة الصادرات من المواد الخام الى مجموع الصادرات فهذا مؤشر جيد يدل على اننا في الاردن نخطو بخطى ثابتة باتجاه التقدم الصناعي لدعم الاقتصاد الوطني والمضي قدما في مجال الاعتماد على الصناعات التحويلية وتقليل الاعتماد على الصناعات الاستخراجية.

 

والقسم الثالث من اقسام الصادرات والمستوردات هو السلع الرأسمالية حيث بلغت مستورداتنا منها للعشرة اشهر الاولى من هذا العام 543.8 مليون دينار, مقابل 153.3 مليون دينار صادرات, والعجز التجاري فيها نسبه الى مجموع التجارة 56%, ونسبة تغطية صادراتنا للمستوردات 28%, وهنا رغم ارتفاع نسبة العجز وانخفاض مستوى التغطية الا ان ازدياد الاستيراد في هذا المجال يصب في الاتجاه السليم؛ وليت كل ما نستورده يصب في هذا القسم لانه يعني التكوين الرأسمالي والاستثماري وستكون انعكاساته ايجابية وكبيرة على الاقتصاد الوطني وابناء الوطن في المدى القصير والمتوسط والطويل.

 

ومن خلال هذا التحليل البسيط للمستوردات والصادرات والعجز التجاري اجزم بالقول ان العجز التجاري ليس مخيفا الى هذا الحد ولا اعتبره مشكلة وهو في واقع الحال عجز يصب في اتجاه رفاه المواطن وتقدم الصناعة والاستثمار وبالتالي ذو انعكاسات ايجابية على الصادرات والاقتصاد الوطني بشكل عام تدعو الى التفاؤل, وتطمئننا ان السياسات المتبعة والتحليل الاقتصادي المتبصر لمن ينظرون الى الجانب المليء من الكأس, ليست مضللة ولا مضلة, وهي تدعم وتصب في الاتجاه الصحيح.