العشيرة تضمحل والنزعة المزدوجة تزدهر

 

وسط مظاهر العنف الاجتماعي المتنامي يزداد النقاش حول العشيرة والعشائرية، وبينما تجاوز تيار العنف والمشاجرات والاحتجاج سحابة الصيف، أخذت الاطروحات الباحثة عن تفسير للتحولات الراهنة تأخذ مناحي متعددة وبعضها متعرجة، وعلى رأس الاطروحات مكانة ودور العشيرة في هذه التحولات، وفق أنماط العلاقات التي حكمت مسار تطور العلاقة بين المجتمع والدولة في الأردن.

اضافة اعلان

العشيرة كبنية اجتماعية تتراجع وتضمحل في المجتمع الأردني، وهذا نتيجة طبيعية للتغير الاجتماعي والثقافي الذي يشهده المجتمع، ونلمس ذلك بالوقائع في الحياة اليومية للناس ليس في العاصمة والمراكز الحضرية الكبيرة فقط، بل في المحافظات والمجتمعات المحلية التي اعتادت وسائل الإعلام وصفها بأنها مفرخة العشائر.

الحياة اليومية ومدى قوة الروابط  أو ضعفها توضح ان العشيرة كبنية اجتماعية الى زوال بينما تزدهر الروابط القرابية الصغيرة  في المدن وفي القرى وبين مختلف أطياف خرائط التكوين الاجتماعي الأردني.

المشكلة اننا نتكلم في زحام من الكلام الإعلامي والتحليلات اليومية وتغيب القراءات العلمية عن رصد وتفسير التحولات الاجتماعية العميق منها والسطحي ومراقبة مدى انعكاسها في الظواهر الجديدة ومنها العنف الجماعي الذي باغتنا والآخر الذي نعيش معه.

  في مقابل تراجع العشيرة كبنية ووظيفة اجتماعية أي الوظيفة التي وجدت من اجلها العشيرة في الأصل، والتي أدت دورها البنائي في تاريخ الدولة وتمأسسها وفي نشوء المجتمع، نشهد في هذا الوقت ازدهار نزعة مزدوجة، جانبها الأول استبدال الوظيفة الاجتماعية للعشيرة بالدور السياسي المصلحي الذي خلق النزعة العشائرية، والتي نجد تعبيراتها تزدهر في الحياة العامة وتبرز كأداة لتصعيد المصالح والدفاع عنها وسط النخب، وفي مناسبات التعبير الجماعي وفي المجتمعات الموسمية مثل المجتمعات الطلابية،  بينما لا نجد ما يعبر عنها في الحياة الفعلية للناس.

النزعة الأخرى المضادة وهي تيار مهاجمة العشيرة ومحاربتها، وهو التيار المتنامي والذي تسلح بجرأة لم نألفها من قبل. بؤرة التأزم في هذا التيار انه يحمل كل مساوئ وتناقضات النزعة العشائرية في بناء موقف وخطاب مضاد ولكنه يوجه ذلك الخطاب المضاد الى العشيرة كبنية ووظيفة اجتماعية ومخزون معنوي مرتبط بنشوء المجتمع وتمأسس الدولة ومن دون تمييز عن النزعة المقابلة.

ومع ازدياد حدة التعبيرات التي تدل على النزعتين، نجد أنفسنا أمام مشهد آخر يتشكل، يمثل حلقة جديدة من التطور السياسي والثقافي المشوه، ولبس الأقنعة الزائفة، فلا اؤلئك الذين وظفوا الأطر المرجعية التقليدية لمصالحهم ولأدوار سياسية جديدة يمثلون العشائر الأردنية ودورها في بناء الدولة وإرادة أجيالها الجديدة بأن يروا دولتهم تمضي نحو نموذج الدولة الوطنية المعاصرة دولة المواطنة، التي تحمي مواطنيها وتحرس الكفاءة والعدالة وتحمي الهوية، ولا النزعة المقابلة تمثل الحداثة الوطنية وقوى الإصلاح الاجتماعي أو حتى فلسفة  الإصلاح السياسي.

القصة هذه المرة تتعدى النقاش الإعلامي وباتت تحاول ركوب موجة التحولات الراهنة، فالمزيد من التأزم بين النزعتين يعني عمليا مصدرا آخر لتوليد العنف الذي يتم إلباسه أقنعة زائفة رغما عن الوقائع.

العنوان العريض في أزمات التحديث وفي نمو النزعات المتطرفة والطارئة سيبقى يتركز في أزمة القيم الكبرى للدولة والمجتمع، أي في عدم وضوح رؤية حولها، وكأنه لا توجد رغبة في جعل الدولة والمجتمع يخوضان هذه المعركة التي لا بد منها من أجل الاستمرار والاستقرار وبناء الدولة الوطنية المدنية المزدهرة، وكأن لا أحد لديه الإرادة والجرأة لوقف إدارة الأمر الواقع والدخول في مسار حقيقي وجاد في مراجعة هادئة لها مرجعية واحدة هي قيم الدولة الوطنية المدنية. البديل عن ذلك يعني استمرار تفريخ التعصب والنزعات المحلية ولعبة الأقنعة.