"الفزّاعة".. هل فقدت مفعولها؟

ثمة تصريحات وتحليلات مختلفة تحاول القول إن جماعة "الإخوان المسلمين" في مصر زمن حسني مبارك هي غيرها الآن بعد تنحيه عن الحكم. وهو قول خاضع، الآن ومستقبلا، للمناقشة والاختبار للتحقق من مدى صحته أو خطئه. وستكون الاحتجاجات العربية قد آتتْ بعض أهم ثمارها إنْ تمكنتْ من أنْ تقدّم نماذج لمشاركة الإسلاميين في الحياة العامة على منوال تجربة "حزب العدالة والتنمية" التركي، حيث العلمانية أداة لتنظيم الفضاء العام من دون وصاية من أحد أو إقصاء لأحد.

ورغم أنّ الحركات الإسلامية العربية مطالبة بتقديم الكثير من الشواهد والتطمينات العملية التي تؤكد حرصها الحقيقي على قيم العصر والمدنية وعلى الحريات الفردية والعامة وخضوعها لقواعد التعددية واللعبة الديمقراطية، وابتعادها عن منطق الوصاية و"تديين المجتمع"، فإن أحداث تونس ومصر وليبيا كشفت في المقابل، اتفاقاً سلطوياً روّجتْ له الأنظمة الثلاثة مفاده أن البديل عنها هو الإسلاميون و"القاعدة" والفوضى! ومن هنا يثور التساؤل إذا ما كانتْ هذه "الفزّاعة" قد فقدتْ معناها ومفعولها بعد التغييرات التي أصابت منطقتنا منذ أسابيع. وفي المسافة الفاصلة بين رؤية "المحافظين الجدد" في أميركا ما بعد جريمة 11/9، الذين برروا حروبهم بأن في الاستبداد العربي وغياب الديمقراطية البيئة الحاضنة لبروز الإرهاب والتطرف، وبين رؤيةٍ عربيةٍ سُلطويةٍ كانت تبرر استبدادها بأن البديل عنها هو "الإسلام السياسي" المعادي للمصالح الغربية، نشهد منذ أسابيع دعوات غربية متفرّقة لإعادة النظر في مشاركة الإسلاميين في العملية السياسية في العالم العربي، على خلفية الثورات والاحتجاجات التي تعصف بمنطقتنا منذ بداية هذا العام. وقد ألمحتْ وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، قبل أيام إلى أن الادارة الأميركية لن تعارض وصول جماعة "الإخوان المسلمين" المصرية للسلطة في البلاد، مادامت تنبذ العنف وتلتزم الديمقراطية وحقوق كل أبناء المجتمع. وهو موقف يأتي بعد يومين على زيارة رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون إلى مصر، والتي اتخذ فيها موقفا متشددا من "الإخوان"، وأصرّ على عدم لقاء أيّ قيادات إخوانية، موضحا بأنّ مصر لديها متسع من الخيارات التي تتجاوز حصرها في ثنائية الحزب الحاكم-الإخوان المسلمين.

ومن المواقف الغربية اللافتة في مقاربة معضلة الإسلاميين والغرب، موقف رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، الذي نبّه الغرب غير مرة في الأسابيع الماضية إلى ضرورة التوقف عن "خوفه الهستيري" من احتمالات وصول الإسلاميين إلى الحكم عبر الوسائل الديمقراطية.

ومنْ شأن صدقية الحكومات الغربية أنْ تضع مشاركة الإسلاميين تحت المحكّ في الوصول إلى إحدى نتيجتين: إما الانفتاح الفكري والسياسي والنجاح في إزالة الهواجس بشأن برنامجهم وهو ما يبشّر به راشد الغنوشي العائد إلى تونس بقوله إنّ ما يجذبه نموذج تركيا لا نموذج إيران، وإما الفشل في التعبير عن الطيف الواسع من الناس وصيانة حرياتهم الفردية والعامة، ما يعني الإبقاء عليهم كأقلية حزبية تخضع لحكم الناس والأطر الدستورية.

اضافة اعلان

إنّ الانهيارات المتتالية لصورة الاستبداد السلطويّ العربيّ، أفقدت "فزّاعة" الإسلاميين معناها، وأبانتْ عُوار هذه اللعبة، والدور المتبقي على الإسلاميين أنفسهم، حيث إنّ التباس موقفهم من الحريات الشخصية والعامة والتعددية الفكرية والدينية ومسائل المرأة والفنون وتداول السلطة وموقع الدين في الحياة العامة، يشكّل موارد لمدرسة "الفزّاعة" لأنْ تستمرّ في ترويج دعايتها عنهم، فهل حان وقتهم لإزالة هذا الالتباس الكبير بأنفسهم.

[email protected]