الفيسبوك: مسرح عري عظيم يتستّر فوق ما يُبدي وأكثر

 

ينبغي، ربّما، في ضوء شيوع مواقع التشبيك الاجتماعيّ، إعادة صوغ ما زعمه الحكيم اليونانيّ: "الإنسان حيوان ناطق"، ليصبح: "الإنسان حيوان (أي كائن حيّ) راوٍ أو قاصّ". و"النطق" في العبارة الأولى يومئ إلى العقل والتفكير. ولكنّ هذين يتصوّران أكثر ما يتصوّران، في صورة القصّ والرواية.

اضافة اعلان

ولعلّ الأساطير والصور والرموز المدوّنّة منذ اختُرعت الكتابة، قرينةً قويّة على نزوع البشر منزعَ الرواية، بما هي إخبار وقصّ. وهم لا يكتفون برواية التجارب الحقيقيّة؛ فإذا عزّت التجارب، فاؤوا إلى أخيلتهم واخترعوا القصص والروايات. والنزوع إلى القصّ يردّ إلى أنّ رواية الحوادث والتجارب، ومصيرَ هذه وتلك إلى مصائر؛ تكسوها جميعاً (الحوادث والتجارب والمصائر) بكسوة مِنَ اللحم والروح، فتُعطيها "الشكلَ" الفريد الذي يميّز الإنسان مِنْ غيره مِنَ المخلوقات. و"الشكل" هذا هو الخيال. والخيال، بما هو فنّ، ضربٌ مِنَ التكيّف الذي يسعى صاحبه في الابتكار والخلق والإبداع.

ولا يخرج ما يحصل في الفيسبوك عن هذا الباب، باب الرواية والقصّ، وذلك على رغم حَمْل أصحاب الموقع وروّاده صنيعَهم على "الصداقة" و"التواصل". فابتداء الولوج إلى الفيسبوك يحتاج إلى عمل حساب في الموقع. ويتبع ذلك إنشاء ملفّ فيه معلومات شخصيّة. وبذا يصير في وسع الفيسبوكيّ، هانئاً وسعيداً، "إضافة الأصدقاء". وهنا الخدعة. فـ"إضافة" "الأصدقاء" لا تحتاج أكثر مِنْ ضغطة زرّ، على قدر ما يمكن إلغاؤهم بضغطة زرّ، كذلك. ويمكن "إضافتهم" مِنْ غير قيد أو حدّ. فمتوسّط عدد "الأصدقاء" في الفيسبوك، للشخص الواحد، يبلغ نحو 120 "صديقاً"، على زعم الإكونوميست البريطانيّة. فكأنّ العطش إلى الصداقة والأصدقاء، في العالم الحقيقيّ، يحمل الظامئين إلى طلب الأصدقاء وقبولهم وتكثيرهم على نحو شديد الغلوّ والتطرّف.

وتفضي الحال هذه إلى الخطو خطوَ الأبطال المسرحيّين. فيلاحَظ أنّ "الصديقيْن" الجديديْن، بما هما بطلان مسرحيّان، حين تعثّر واحدها بالآخر، يجنحان إلى الظهور في غير مظهرهما الحقيقيّ. والأقرب إلى الحقّ أنّّ مسرح العري العظيم الذي يلعب الفيسبوكيّون أدوارهم على خشبته، يتستّر فوق ما يُبدي وأكثر. فإذا ابتدأ "الحوار" بين "الصديقيْن" العتيديْن، ألفينا الإلفة ظاهرة بينهما في البدء ومنذ أوّل كلمة، الشيء الذي يمتنع أو ربّما يستحيل في العالم الحقيقيّ. فالبطلان يستعملان، مِنْ غير أنْ يدريا أو يدركا، تعابير غير واعية أو لا شعوريّة و"صادقة" توحي أنّهما يعرفان بعضهما بعضاً منذ وقت ليس قصيراً. ويسعى كلٌّ منهما في "التعرّي" (أي الكشف والظهور والسفور والمصارحة وإبداء العواطف)، وكسب الطرف الآخر واقتحام حيّزه الخاص. ولكنّ العري لا يستقيم والفيسبوك؛ فهذا، على زعم أهله وأصحابه، ذروة المدنيّة، وهذه بنت الاجتماع، حين العري ابن الغابة، وهذه نقيض العمران وموئل العري. ومصدر هذه المعضلة المركّبة هو أنّ العري الفيسبوكيّ ليس بعري أو هو عريٌ مخاتل.

فإذا حُمل العري على معناه الاصطلاحيّ، عُقِل مصدر الطباق بين الضدّيْن: العري (الغابة) والاجتماع (المدنيّة). فالفيسبوكيّون يتعرّون ويُظهرون ويُبدون ويكشفون مِنْ غير أنْ يُشاهَدوا أو يُرَوا. وهم يحسبون أنّ صورهم وعباراتهم ورموزهم يمكن إيقاعها موقعَ الكلام الذي يدور بين الناس في العالم الحقيقيّ، حين الصور والرموز هذه لا تنفكّ مِنَ الثبات والصنميّة. فهي تنزع إلى إبهار الناظر إليها واستغراقه فيها وفي لحظة الانبهار هذه. ولكنّ التواصل الإنسانيّ لا يكتمل مِنْ وراء الحجب ومِنْ غير النظر والتحديق في عينيْ الصديق وسماع صوته وشمّ رائحته ومراقبة "لغة" جسده.

ولمّا كان في وسع الفيسبوكيّ "إلغاء" "صديقه"، الذي كان يحاوره للتوّ محاورةَ الإلف إلفَه، بضغطة زرّ؛ أضحتْ المحافظة على "الأصدقاء" ركناً أساساً في آليّة "عمل" الفيسبوك. وقِوام الآليّة هذه هو التجسّس والتطفّل. فإذا قام "صديقٌ" بنشاط جديد، كإضافة تعليق أو رسالة أو صورة على "جداره"؛ يظهر تنبيه في أسفل يمين الصفحة بهذا الحدث. ولا ريب في أنّ هذا العمل التجسّسي والمتطفّل، لا يحصل في العالم الحقيقي ما خلا، ربّما، في "الدول" البوليسيّة، حيث العسس على الباب والأرصاد بالمرصاد.