القبول بالجامعات ومعايير حقوق الإنسان!

يبدو وزير التعليم العالي، الدكتور عمر شديفات، في وضع محرج هذه الأيام. فهو يقف بين سندان مهنيته وحُسن إدارته، اللتين عُرف بهما في كل موقع حلّ به سابقاً، ومطرقة الحاجة لتعديل أسس القبول في الجامعات، وبخاصة الرسمية، لتصير أكثر اتفاقاً وحقوق الإنسان، بعد أن أكد تقرير المركز الوطني لحقوق الإنسان، انطواء تلك الأسس على استثناءات "تمييزية"، أي غير عادلة.

اضافة اعلان

مكمن الحرج، أن معظم تلك الأسس التي تسبب التمييز وعدم العدالة بين الطلبة، باتت قواعد راسخة في سياسة التعليم العالي في بلدنا، بحيث لا يملك مجلس التعليم العالي، موضوعياً، القرار بتغييرها. وهكذا، فحتى لو كان الدكتور شديفات، بقراءته لمشهد التعليم العالي ومكامن الخلل فيه، مقتنعاً بضرورة تغيير تلك الأسس، بحسب ما يمكن فهمه من تصريحاته حول لجان دراسة أسس القبول، فإنه على الأغلب لن يكون قادراً على ترجمة رغباته إلى قرارات وتطبيقات.

لقد أصاب تقرير المركز الوطني لحقوق الإنسان، الصادر قبل أيام، حول حالة حقوق الإنسان في الأردن للعام 2007، كبد الحقيقة في مجال التعليم العالي، حين أشار بتلك السلبية لمنهجية القبول في جامعاتنا الرسمية. فـ"النظرية!" التي تقوم عليها الاستثناءات، لا تميز الطلبة على أساس تفوقهم الدراسي، ولا على أساس التباين في ما حصلوا عليه من فرص في التعليم المدرسي (إلا فيما ندر).

بالطبع، تُخصص لجنة القبول الموحد في الجامعات الحكومية، نسبة محدودة من المقاعد لتوزع على أساس المحافظات، مراعاة للفروق في فرص وإمكانات التعليم بين محافظة وأخرى. وهذا، في الحقيقة، التمييز العادل الوحيد في استثناءات القبول، لأنه في النهاية، يقوم على قاعدة التنافس بين طلبة كل محافظة فيما بينهم، على أساس معدلاتهم الدراسية، للحصول على ذلك العدد المحدود من المقاعد المخصص لمحافظتهم، والذي لا يتجاوز في العادة بضع عشرات. إنه استنثاء عادل، إذاً، لأنه: أولاً: ينطلق من تفهم اختلاف إمكانات التعليم بين منطقة جغرافية وأخرى، وثانياً: يجعل القاعدة الأساسية للتنافس بين مجموعة الطلبة الذين حصلوا على إمكانات تعليمية متكافئة، داخل المحافظة الواحدة، هي التفوق الدراسي، لا شيء سواه.

لكن هذا الاستثناء العادل الوحيد، لا يشمل، كما قلنا، إلا عدداً محدوداً من المقاعد الجامعية، قد لا تتجاوز في مجموعها الكلي بضع مئات. أما الاستثناءات الأخرى، غير العادلة، فإنها تطال عدداً كبيرا من المقاعد في الجامعات الحكومية، الذي يزيد عن ثلاثين ألفاً لكل سنة دراسية.

تلك الاستثناءات غير عادلة، لأنها تميّز الطلبة على أساس مهن آبائهم، فتجري تنافساً بين أبناء العاملين في مهن محددة، للفوز بمقاعد جامعية مخصصة لتلك المهنة دون غيرها، ما يمكّن هؤلاء الأبناء من الحصول على مقاعد جامعية، وفي تخصصات معينة مرغوبة، في وقت قد لا يُتاح فيه لطلبة آخرين، حققوا علامات دراسية أعلى منهم، الحصول على مثل تلك المقاعد، ما يضطرهم لدراسة تخصصات أخرى، وأحياناً عدم الحصول على مقعد في الجامعات الحكومية، ما دام آباؤهم قد عملوا في مهن أخرى لا يشملها ذلك التنافس الانتقائي!

إن "المنطق" الذي يقوم عليه تمييز الأبناء على أساس أدوار آبائهم في الحياة، هو بذاته، لا يتفق ومعايير حقوق الإنسان، إذ ما علاقة الابن بمهنة أبيه، ولماذا يكون عليه أن يُعاقب أو يُكافأ بناءً على الوظيفة التي عمل فيها والده. إن هذا "المنطق!" معناه أن الابن ملك لأبيه، وأن لا أهمية لكفاءة الفرد وقدراته وذكائه، وهو "منطق!" تهاوى في بلدنا، ولله الحمد، منذ زمن بعيد، في كثير من الإجراءات الإدارية التي كانت تُعاقب الوالد إذا ما ارتكب ابنه فعلاً خاطئاً، انطلاقاً من التزام بلدنا الحقيقي بمعايير حقوق الإنسان في مجال كرامة الفرد، لكن ذلك "المنطق!" ما يزال معمولاً به، ويا للغرابة، في مؤسسات التعليم العالي، التي كان يُفترض أن تكون أول من يبدأ التغيير الإيجابي لصالح قيمة الفرد وكرامته وحقوقه، من دون نظر لأبيه وعائلته ونسبه، لا آخر من يفعل ذلك، هذا إذا فعلتها أصلاً، وهو أمر مُستبعد!

بالطبع، يمكن مكافأة الآباء، من دون معاقبة أبناء الآخرين. كيف؟ بأن يُمنح أبناء أولئك الذين نريد مكافأتهم، بعثات دراسية ورواتب شهرية، فقط، لا أن يُمنحوا بعثات دراسية ورواتب شهرية ومقاعد جامعية، في آن. فتخفيف مصاريف الدراسة هو أفضل مكافأة لجهود الآباء وأدوارهم.

[email protected]