القراصنة ورواية البحر

 

فتحت عملية القرصنة البحرية التي مارستها إسرائيل في المياه الدولية ضد "أسطول الحرية" الأفق واسعاً لقراءة مشهد تراجع مكانة إسرائيل الدولية، وفق مؤشرات الرأي العام الغربي، تحديدا مع استمرار تآكل آلة الدعاية الإسرائيلية في الخارج التي بدت ليلة القرصنة في أسوأ أحوالها، وعبّرت عن حالة استفزاز وفقدان للوزن راكمت على خسائر دعائية منيت بها إسرائيل مؤخرا.

اضافة اعلان

شكّلت الدعاية الصهيونية ثم الإسرائيلية رأس المال المعنوي الأغنى والأغلى للدولة العبرية، وباعت لشعوب العالم ونظمه السياسية مقولة "اليهودي الضحية" ثم "إسرائيل الضحية" على مدى ستة عقود، ما شكل خطاب سفر الخروج الأول وفق الفهم الصهيوني لتاريخ الكيان الذي قام على التضليل.

وفيما تجسد حادثة القرصنة البشعة نقطة تحول تضاف إلى حروب إسرائيل الأخيرة، وتقود نحو سفر خروج العالم من تاريخ التضليل، فإن خسارة إسرائيل للمعركة الدعائية والدبلوماسية تحتاج مراقبة جادة للسلوك الدعائي الإسرائيلي في اليوم التالي، فالمعركة التي تديرها في هذا الوقت عنوانها من هي الرواية التي سيصغي لها العالم.

في العام 1947 اعترضت البحرية البريطانية سفينة تقل يهودا في طريقهم إلى فلسطين، وقادتهم نحو مخيمات كانت تؤوي بعض لاجئي الحرب العالمية الثانية في قبرص، أطلق الصهاينة على تلك السفينة "سفر الخروج".

المفارقة أن تلك الحادثة شكلت علامة فارقة في تاريخ الدعاية الصهيونية، وكانت من أوائل الأفعال الدعائية التي تستخدم الابتزاز بتلويح بأطروحة المحرقة، حينما صُورت بريطانيا غير مبالية بالناجين من المحرقة، ووصفت الإنجليز بالقراصنة الإمبرياليين على الرغم من كل تاريخ العطاء الذي قدمه الإنجليز للحركة الصهيونية.

رعونة القوة الإسرائيلية التي اختبرها العالم خلال السنوات القليلة الماضية ثلاث مرات في لبنان، وغزة، وفي عرض البحر المتوسط كشفت بشكل جلي الغموض الأخلاقي للدعاية الإسرائيلية، فيما يبدو واضحا في انهيار معمار الدعاية التي دشنتها إسرائيل والحركة الصهيونية على مدى العقود الماضية، ويبرز ذلك بشكل واضح في مواقف شعوب ومجتمعات العالم، وفي الرأي العام العالمي باستثناء الموقف الرسمي الأميركي.

يوجد إدراك إسرائيلي للأزمة الخانقة التي تواجهها صورة الدولة العبرية في الخارج، التي لم تتوقف عن الانحدار حتى لدى شعوب الدول الحليفة. في مؤتمر هرتسيليا الأخير نوقشت وثيقة مهمة بعنوان "الحرب الناعمة ضد إسرائيل: الدوافع واقتراحات الحلول"، هي خلاصة مشروع بحثي ضخم أشرف عليه الباحث الإسرائيلي شموئيل بار.

رصدت الوثيقة البحثية ما يسمى الأعمال الدعائية والإعلامية المعادية لإسرائيل، بما في ذلك عزل إسرائيل، والمقاطعة الأكاديمية، والقيود المفروضة على بعض الصادرات، واتخاذ إجراءات قانونية لمنع بعض السياسيين والعسكريين الإسرئيليين من دخول بعض الدول الأوروبية، وتنامي دور الجاليات العربية والإسلامية في الغرب. ويعترف الباحثون بالخسائر الدعائية والإعلامية المتراكمة خلال السنوات الأخيرة، ويقدمون استراتيجية بديلة للعلاقات العامة الدولية، لكن يبدو أن مسار التدهور أثبت استمراره في الاستعراض الدموي البحري الأخير.

الدعاية الدولية، كما كانت القوة الحقيقية للمشروع الصهيوني، ودشنت سفر الخروج الأول، فإنها توفر اليوم فرصة أخرى نحو سفر خروج جديد، انظروا فقط لحجم الغضب الذي يجتاح العالم ولحجم التحولات في القناعات والأفعال.