الكهرباء والمياه والخبز!

كل ما يتسرب عن اجتماعات ودراسات الحكومة، يدعو إلى القلق. وينتاب الرأي العام إحساس واقعي بأن حكومة د. عبدالله النسور ستسعى إلى اتخاذ كل القرارات التي ستحوّل حياة الأردنيين إلى جحيم بحلول مطلع العام المقبل. والحديث هنا ليس عن ضرائب على الاتصالات أو السيارات أو السيجار وسواها، بل عن الخبز والمياه والكهرباء.اضافة اعلان
كلما استرسلت الحكومة في التأكيد على أنها "لن ترفع" سعر سلعة أو خدمة ما، يتأكد المستهلك، بعد وقت قصير، أن الأمر لا يعدو أن يكون مناورات تستهدف تخدير الشارع بشكل متدرج، تمهيدا لاتخاذ القرار، ذلك أن الحقيقة هي أن قرار رفع السعر اتخذ، وحديث السيطرة على تداعياته القاسية يتشابه مع تصريحات عدم الرفع، لتبقى التطورات بيد تجار سرعان ما يرفعون الأسعار لتعويض خساراتهم، فيما الحكومة تتفرج على مشهد الغلاء ومستهلك لا حول له ولا قوة.
في تقديري، سيكون الثلث الأخير من هذا العام خطرا بالنسبة للمستهلك، وستعبر البلاد موجات غلاء ستستوطن حتى مطلع العام المقبل، وربما تمتد إلى منتصف العام 2014، في موازاة جهود متواضعة وغير فاعلة لكبح جماح التضخم، ومحاولة السيطرة على السوق بأدوات تقليدية لن تصمد طويلا.
منذ بدأت الاحتجاجات المطالبة بالإصلاح قبل عامين ونصف العام، والحكومات تقوم بتأجيل قرارات إلغاء الدعم عن المواد والسلع والخدمات الرئيسة. لكن بعد انحسار قوة الحراك الإصلاحي، وتضاؤل الاحتجاجات نسبيا، أقدمت حكومة النسور الأولى على إلغاء الدعم عن أسعار المشتقات النفطية في منتصف تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، ما أدى إلى اندلاع احتجاجات شملت البلاد كلها. ومنذ ثمانية أشهر وحتى اليوم وقرارات حكومة النسور تسير على درب إلغاء الدعم نهائيا، تجاوبا مع تعهدات الدولة لصندوق النقد الدولي والجهات المانحة.
ثمة خطة، وفقا لتسريبات حكومية، تدرسها وزارتا المالية والصناعة والتجارة، وتقضي بمضاعفة أسعار الخبز، فيما يحصل المواطن على دعم نقدي يبلغ 8 قروش يوميا. وسبق لرئيس الوزراء التأكيد على أن الحكومة تدرس إمكانية تقديم دعم نقدي مباشر "يكفي احتياجات المواطن وربما يزيد، أو ضمن بطاقة ذكية". وهذه الخطة تأتي بسبب خسارة الحكومة في الطحين؛ إذ يُشترى طن القمح بأربعمائة دينار، ويباع طحينا بأربعين دينارا، أي بخسارة تقارب 360 دينارا في الطن الواحد.
ولنا أن نتخيل منسوب الغلاء في البلاد وتداعياته عندما يصبح سعر الكيلو غرام الواحد من الخبز الصغير 48 قرشا، ارتفاعا من سعر 24 قرشا حاليا!
ليس الخبز وحسب، فدراسات الحكومة تطال أيضاً أسعار المياه، مع احتمالية رفعها مطلع العام المقبل بشكل تدريجي. وأظن أن الشرائح الدنيا من مستهلكي المياه ستكون هدفا للرفع المرتقب. إذ إن الشرائح التي تستهلك حوالي 50 مترا مكعبا كل ثلاثة أشهر تشكل 70 % من المستهلكين، وتدفع 15 دينارا في الفاتورة الواحدة المدعومة من الحكومة. وبيت القصيد بالنسبة للحكومة أن هذه الشرائح تستهلك نصف كميات المياه المتاحة، فيما يدفع أصحابها ربع إيرادات المياه فقط.
وذريعة رفع أسعار المياه تستند إلى سببين: ارتفاع كلفة مياه الديسي، وزيادة ما تدفعه سلطة المياه إلى نحو نصف دخلها لصالح فاتورة الكهرباء. والمخابز بدورها تذكّر صباح مساء بكلفة الكهرباء المتزايدة، حتى امتزجت هذه الخدمات والسلع (مياه، وكهرباء، وخبز) في خلاط واحد اسمه الغلاء، وبات المستهلك في مواجهة سعر عالمي إنما بأجر محلي متواضع.
أظن أن الحكومة الحالية لن تغادر "الدوار الرابع" قبل أن تنهي المطلوب منها، وعنوانه الأساسي: الإلغاء النهائي للدعم المقدم للمستهلك الأردني.