المتحف المصري.. بين زاهي حواس وخالد يوسف

لم يخطر على بال د. زاهي حواس، إبان إشغاله منصب الأمين العام لمجلس الآثار المصرية، وهو يوجه إنذاراً إلى عمدة نيويورك باسترداد مسلة تحتمس الثالث التي تنتصب، منذ عشرات السنوات، في متنزه "سنترال بارك" الشهير في وسط مدينة نيويورك، إذا لم يتخذ خطوات عاجلة لترميمها والحفاظ عليها، بعد التلف والإهمال الذي تعرضت له خلال القرن الماضي؛ أقول لم يخطر على باله، وهو يستخدم لغة حادة، غير مألوفة، في مطالبة بلدية نيويورك ببذل جهودها لترميم المسلة والحفاظ عليها، أنه سيتعرض والمتحف المصري القابع في ميدان التحرير بالقاهرة، لنكسة كبيرة مصدرها البلطجية واللصوص الذين اغتنموا احتجاجات الشباب المصري، وانهيار جهاز الشرطة تحت وطأة الصدامات مع المتظاهرين، للتسلل إلى المتحف وسرقة نحو ثمانين قطعة من الآثارات الفرعونية الثمينة.

وزاهي حواس الذي أطل خلال الأحداث التي تلت ثورة 25 كانون الثاني (يناير) ليطمئن المصريين وعشاق الحضارة الفرعونية إلى سلامة المتحف، وليهون من شأن الخسائر التي تعرضت له محتوياته، إذ حصرها في كسر أو فقدان قطع صغيرة وغير مهمة من الآثار، تبين أنه على الرغم من الهالة العلمية الكبيرة التي تحيطه، حيث سجلت له، كعالم آثار مصري، العديد من الاكتشافات المهمة مثل مقابر العمال من بناة الأهرام، ووادي المومياوات الذهبية، ومقبرة حاكم الواحات البحرية، والذي كرم بالعديد من الأوسمة والجوائز من داخل مصر وخارجها- نقول تبين أنه تصرف كبيروقراطي عجوز، إذ اكتفى، على ما يبدو، بالاتصال الهاتفي مع الموظفين في المتحف، الذين "هونوا" عليه الخسائر، ولم يبادر إلى النزول فوراً إلى الميدان، ولم يعمل فوراً على حشد قوة أمنية أكبر لحماية كنوز مصر الرابضة على حافة ميدان التحرير، وفي قلب الأحداث التاريخية التي عرفتها القاهرة.

مأساة د. زاهي حواس، هي مأساة النخبة الحكومية المصرية التي لا تعترف بشيخوختها وتحجم عن نقل "الأمانة"، أو المسؤولية الحكومية، إلى الأجيال الجديدة، حتى لا نقول إلى الأجيال الشابة. فالاحتفاظ بالكرسي إلى الممات لا يقتصر على القادة السياسيين، وإنما هو ملمح عام في الحياة المصرية والعربية. وهو يصف سلوك قادة الأحزاب والجمعيات والنقابات ومؤسسات القطاع العام والشركات، وليس فقط الرئيس مبارك وأقرانه من القادة العرب، أو الوزراء مثل وزير الثقافة المصري د. فاروق حسني، أو الأمين العام للحزب الوطني صفوت الشريف. فالتمديد وليس التجديد هو السمة العامة والقانون الفولاذي للسلطات المصرية والعربية. هل يذكر القارئ صورة المناضل الكبير خالد محيي الدين رئيس حزب التجمع، وصاحب القامة التقدمية وأحد الضباط الأحرار الذين نفذوا ثورة 23 تموز (يوليو) 1952، وهو محمولاً على الأيدي في الانتخابات العام 2005 ليمارس حق الاقتراع؟ لم يحملوه على الأكتاف تكريماً له، وإنما حملوه كرجل مريض، لأنه لا يقوى على المشي، ومع ذلك ظل على رأس حزبه وخاض الانتخابات بهذا العمر! فإذا كان هذا هو حالنا مع "القادة التقدميين" فما بالنا مع قادة الدول ممن يوصفون بالمحافظين أو الفاسدين؟!

وعود إلى زاهي حواس الذي سبق أن اختارته مجلة "تايم" الأميركية كواحد من أهم مائة شخصية عالمية، وبات أحد رموز مصر الثقافية والعلمية، والذي تعدت شهرته حدود بلده، فإن عودته للظهور على شاشات الفضائيات، بعد اكتشاف فقدان ثمانين قطعة أثرية من المتحف المصري خلال الثورة الأخيرة، ليعبر عن أسفه "للخطأ" الذي ارتكبه، وعدم تأكده من حقيقة الخسائر التي وقعت، إنما يظهر حاجة مصر للتغيير والتجديد الشاملين، ليس فقط على صعيد قمة النظام السياسي وإنما على مختلف مستويات إدارة الشأن العام.

اضافة اعلان

ثمة فارق كبير بين إطلالة المخرج السينمائي خالد يوسف، من على شاشات الفضائيات، وهو يصرخ طالباً من المصريين التحرك فوراً لإنقاذ متحفهم من الحريق والنهب، تلك الصرخة التي استجاب لها شباب مصر، المعتصمون في ميدان التحرير، وشكلوا صفوفاً بشرية لحمايته، وبين استجابة زاهي الحواس، العالم الكبير، لكن في الوقت نفسه البيروقراطي العجوز، الذي لازم بيته بينما المتحف ينهب أو يحترق، حيث اكتفى باتصال هاتفي كانت محصلته: "كله تمام يا افندم"!

[email protected]