المحاصصة تفرض إيقاعها

بتشكيل مجلس الأعيان، يكون مشهد السلطات قد اكتمل، ولم يبق غير انتظار السابع من الشهر المقبل لنعرف هوية رئيس مجلس النواب ونوابه.
نستطيع القول إن الاتجاه المحافظ فرض إيقاعه على المشهد برمته. ليس ثمة تغييرات جوهرية في نخبة الحكم بعد الانتخابات النيابية؛ الحكومة بأقطابها الرئيسة، ومجلس الأعيان بصفه الأول. حتى في مجلس النواب المنتخب، تبدو المنافسة على الرئاسة محصورة بذات الشخصيتين اللتين تنافستا على رئاسة المجلس السابع عشر.اضافة اعلان
وفي ضوء الحضور المخيب للأحزاب السياسية، باستثناء جبهة العمل الإسلامي في الانتخابات النيابية، ترشحا وفوزا، كان الارتداد للمعادلة التقليدية على أصولها في تشكيل الحكومة ومجلس الأعيان، أمرا متوقعا. فحلت الحسابات المناطقية والجهوية والإقليمية والطائفية، مكان الاعتبارات السياسية، وحتى التكنوقراطية عند الاختيار. ولم تحظ تيارات سياسية بأي تمثيل رمزي في الأعيان، على غرار ما كان في مجالس سابقة.
في المقابل، كان لا بد من تعويض مكون وطني بحصة وافرة من المقاعد لم ينل مثلها في مجلس النواب. وعلى مستوى أضيق، حرص القائمون على التشكيلة على تمثيل العشائر في بعض المحافظات التي خسر مرشحوها في الانتخابات النيابية، ولعل محافظة الكرك خير مثال على ذلك.
لكن المحاصصة على هذا النحو عادة ما لا ترضي جميع الأطراف؛ فبينما كانت بعض الأسماء المختارة محل تندر، ارتفعت أصوات عشائرية محتجة على ما اعتبرته إقصاء وتهميشا لحقا بها، رغم انطباق شروط العينية والوزارة على العشرات من أبنائها.
أما تشكيلة الحكومة، وباستثناءات محدودة جدا، فقد مثلت الالتزام التام بالمصفوفة التقليدية للحكومات الأردنية المتعاقبة، في مرحلة ما قبل "الربيع العربي" وتداعياته؛ ليس لجهة التمثيل المناطقي فقط، بل لجهة التوصيف حسب المعادلة السائدة؛ محافظون وإصلاحيون.
العودة للخلف، إن صح التعبير، والتي ظهرت بوادرها في إعادة مراجعة تجربة المشاورات النيابية عند تشكيل الحكومات، هي التعبير الجلي عن حالة إحباط سياسي في أوساط الحكم من إمكانية التقدم إلى الأمام، ولو بشكل متدرج، تتحمل مسؤولياتها جميع الأطراف الفاعلة في الحياة السياسية الأردنية؛ الحكومات ومجلس النواب، والأحزاب السياسية التي لم تجد شيئا في الآونة الأخيرة غير التكاثر العددي على حساب النوعية والكفاءة والحضور الشعبي المحترم.
وكان للتطورات الإقليمية من حولنا، من دون شك، تأثير على توجهات مؤسسة صناعة القرار، وقطاعات عريضة في المجتمع باتت تفضل الاستقرار والأمن على سواه من الأولويات. ولا ترى مبررا للمجازفة بخيارات غير محسوبة.
ويكفي هنا رصد حالة الخوف والقلق التي سادت عقب سلسلة من الحوادث المزعجة التي وقعت في الأسبوعين الماضيين، وكان آخرها وأخطرها اغتيال الكاتب ناهض حتر على يد أحد الإرهابيين المستترين في إحدى المؤسسات الحكومية البارزة.
في داخل مؤسسات وازنة في الدولة، ينظر للمحاصصة على أنها الوسيلة الوحيدة لحفظ التوازنات داخل المجتمع، وكسب الرضى العام، كما كانت الحال على مدى تاريخ الدولة الأردنية.
لكن مثلما حصل من قبل، وكثيرا أيضا، يؤدي الإفراط في تطبيق نظرية المحاصصة إلى الانزلاق نحو الترضيات على حساب مبادئ الحكم الرشيد، بما يجعل من عملية الإصلاح أمرا مستحيلا.