المحتوى الرقمي العربي: هل ضاعت الفرصة؟

أشار الملك، خلال لقائه بقيادات عالمية في مجال الإعلام الجديد والمحتوى الرقمي، نهاية الأسبوع الماضي، وضمن زيارة جلالته للولايات المتحدة، إلى الإنجازات التي حققها الأردن خلال العشر سنوات الأخيرة في تطوير المحتوى الرقمي باللغة العربية. هذه الإنجازات جعلت الأردن المساهم الأكبر في تطوير المحتوى العربي على الإنترنت، إذ إن نحو 75 % من المحتوى والبرمجة العربيين تمّا على أيدي الأردنيين، ما جعل المملكة بين أفضل عشر دول في تسهيل إنشاء المشروعات الإلكترونية والتقنية.اضافة اعلان
هذا الأساس المتين هل بني عليه، وتحديدا خلال آخر ثلاث سنوات؛ شهدت تضاعف المحتوى العربي على شبكة الإنترنت؟ وماذا حل بقطاع تكنولوجيا المعلومات خلال السنوات الأخيرة، إذ تذكر بعض التصريحات لمسؤولين في هذا المجال أن القطاع يتراجع، وأن ثمة شركتين تخرجان من السوق الأردنية كل شهر؟
احتل الأردن المرتبة 47 من بين 147 دولة في التقرير العالمي لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات الأخير، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، فيما جاء في المرتبة السادسة بين الدول العربية. ويساهم هذا القطاع بنحو 15 % من الإنتاج الوطني، ويشغل نحو 80 ألفا من القوى العاملة. وكان من المفترض أن تتضاعف قوة تأثير هذا القطاع في الاقتصاد الوطني.
علينا الاعتراف بالأزمة التي يشهدها القطاع، وإدراك أن فرصا ما تزال ماثلة؛ وتحديدا الأزمة بتراجع جاذبية الاستثمار في هذا القطاع، مع عدم استقرار التشريعات وطبيعة النظام الضريبي المفروض على القطاع، والاختلالات التي يشهدها النظام التعليمي الذي يلقي بمخرجاته إلى السوق؛ إذ يتردد أن قطاع الاتصالات الأردني هو الأعلى ضريبيا في العالم!
هناك اكثر من 100 شركة في قطاع تكنولوجيا المعلومات خرجت من السوق الأردنية خلال الفترة 2011-2013، وهي المرحلة التي شهدت أعلى موجة في ازدهار المحتوى العربي على الشبكة، وشهدت جاذبية عالية، وأثرا مجتمعيا غير مسبوق لتكنولوجيا الاتصال المدمج بالإعلام، كما هو معروف في مرحلة التحولات والثورات العربية.
لقد شهد المحتوى الرقمي العربي على شبكة الإنترنت، خلال آخر ثلاث سنوات، تحولات مفاجئة، أثبتت قدرة المجتمعات العربية على تجاوز الركود الحضاري، وقدرة اللغة العربية على المواكبة. وهذه التحولات التي زادت من عدد المستخدمين العرب للإنترنت، وبالتالي زادت من حضور اللغة العربية على الشبكة، ما تزال أقل من المعدلات المفترضة. هذا إلى جانب الضعف الواضح في نوعية المحتوى العربي، الأمر الذي يزيد من جاذبية الفرص في الاستثمار في تطوير المحتوى العربي.
شهدت المنطقة العربية خلال السنوات الأخيرة سلسلة من المبادرات الحكومية والخاصة، وتلك التي قدمت نماذج للشراكة بين الطرفين لتطوير بيئة الفضاء الرقمي العربي. وتبدو هذه المبادرات أكثر انتشارا في دول مجلس التعاون الخليجي ومصر والأردن.
وقام المجلس الأعلى للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في قطر بدور فاعل في دعم نشر واستخدام الإعلام الرقمي، وتطوير المحتوى الرقمي المبتكر، من خلال حاضنات تسعى إلى تعزيز محتوى رقمي عربي مستدام ومفتوح، ونشره على الصعيدين الإقليمي والدولي. كما تقوم مبادرة  "الواحة 500" (أواسيس 500) التي أنشئت في الأردن بدعم حكومي ودولي، على فكرة إنشاء وتطوير 500 شركة في مجال تكنولوجيا المعلومات، ومن ضمنها المحتوى العربي.
أما مبادرة الملك عبدالله بن
عبد العزيز للمحتوى العربي، فهي واحدة من المبادرات المهمة في هذا المجال، وهدفت الى دعم وتحفيز الجهود المبذولة لإثراء المحتوى العربي. وتضمنت المبادرة عددا من المشاريع؛ منها المدونة العربية، والمعجم الحاسوبي التفاعلي، ووسائل إثراء المحتوى المفتوح ومؤشرات تطوير المحتوى العربي.
المهم أنّ علينا الاعتراف بأن قطاع تكنولوجيا المعلومات وما شكّله من قطاعات مدمجة جديدة، أهمها الإعلام الرقمي، كان ساحة متقدمة للمبادرة الأردنية التي سبقت الجميع في المنطقة. لكن هذا القطاع اليوم مأزوم، ويعاني من تعقيدات متعددة ومركّبة، فبات الأردن يفقد جاذبيته. وعلينا الاعتراف بأن الفرص في هذا القطاع تزداد. وربما هذا الوقت الملائم للعبور ولوثبة كبيرة.