المريض الليبي

واحدة من أكثر قضايا الرأي العام الأردني شيوعاً هذه الأيام صعوبة الحصول على سرير في مستشفيات عمان، أو حتى إجراء مجرد فحص طبي بسيط، بعد أن شغل الأشقاء الليبيون كافة أسرة مستشفيات القطاع الخاص في عمان وعددها 62 مستشفى، وتجاوزت نسبة الإشغال الطاقة الاستيعابية القصوى لتلك المستشفيات، فيما يحذر أطباء وخبراء من خطر تراجع جودة الخدمات والرعاية الطبية نتيجة الطلب الواسع، وانتشار المنظور التنافسي والربحي في استثمار هذا الموسم من قبل عدد من المستشفيات.اضافة اعلان
تزداد صعوبة الأوضاع الراهنة على عشرات الآلاف من الأردنيين الذين تربطهم عقود تأمين مع القطاع الخاص، وتاهت بهم الطريق والعنوان؛ ويزداد الأمر سوءا في حالات الآلاف من المرضى الأردنيين من أبناء المحافظات الذين يرددون عشرات القصص عن معاناتهم في السفر والانتظار والعودة إلى قراهم البعيدة بدون فائدة أو حبة علاج.
تكشف أزمة المرضى الليبيين ضعف ردود الفعل الرسمية في إدارة أزمة من نمط إنساني في الحدود المعقولة، بالتعاطي الإيجابي والتوازن في حسابات الخسائر والأرباح، وقدرة الحكومة على تنظيم القطاع والتدخل في إدارته في أوقات الأزمات من منظور مصالح مواطنيها، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الدور الرسمي الذي ينسحب من تقديم الخدمات يفترض أن يبقى القادر على تنظيم أي قطاع، وليس القطاع الصحي وحسب. فالمسألة قد تطول، وليست كما يقال بأنها تحتاج إلى أسابيع  قليلة وتنتهي. فنحن بحاجة إلى الأشقاء الليبيين أن يبقوا في الأردن أطول وقت حتى تلتئم جراحهم ويشفى مرضاهم؛ وفي ذلك قيمة اقتصادية وسياسية مضافة، وقيمة معنوية أيضا، ولكن الأمر لا يمكن أن يستمر بهذه الفوضى وبغياب الحد الأدنى من التنظيم.
بالأمس، أعلن وزير الصحة عن محادثات مع إقليم كردستان لتنظيم اتفاقيات لمعالجة مواطنين أكراد في الأردن، فيما يحتل الأردن المرتبة الأولى عربيا في السياحة العلاجية، والمرتبة الخامسة عالميا؛ ما يعني أنه قد حان الوقت لإعادة النظر في الاستراتيجيات الوطنية في إدارة هذا القطاع، والتفكير جديا في مضاعفة حجم الاستثمار فيه للاستفادة من الميزات التي يوفرها الأردن لهذا القطاع، وتحويل البلاد إلى مقصد عالمي للسياحة العلاجية، ومضاعفة القيمة المضافة للاقتصاد الاردني في هذا المجال، ما يتطلب التفكير جديا في الموارد البشرية والاستثمار في مدن تعليمية متكاملة في الكليات والتخصصات الطبية والتمريضية والدوائية والخدمات المساندة، ومراكز البحوث المتقدمة، والصناعات المكملة.
هذا المنظورعلى المدى البعيد يحتاج على المدى القصير إلى عدم تجاهل حاجات المواطن الأردني المشغل الدائم لهذا القطاع، وإهماله في زحمة مواسم الأزمات الإقليمية. وإذ يقدر المجتمع الأردني عاليا الهبة الرسمية في تسهيل إجراءات دخول الأشقاء الليبيين، لكن غير المبرر عدم جدولة دخولهم على فترات زمنية، إذا ما علمنا، وحسب المصادر المعنية، أن 5 % فقط من المرضى الليبيين هم حالات طارئة. وفي الوقت الذي فرّغت فيه أجنحة مستشفيات وغرفها لعمليات بسيطة أو لعمليات تجميل، لا يصل عمال شركات الفوسفات أو البوتاس أو الأسمدة إلى عمان بحثا عن العلاج إلا بعد أن يذوقوا الأمرّين.
في الفيلم العالمي الشهير "المريض الإنجليزي"، تروي الدراما السينمائية قصة رجل إنجليزي أحرقته الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، وذهب للعلاج في دير إيطالي بعيدا عن أوجاع الحرب، بينما يساعده ضابط فقد إبهاميه، ليكتشف في نهاية الفيلم أن المريض الإنجليزي هو السبب في ذلك، لكن المريض فقد ذاكرته تماما. والأشقاء الليبيون يحتاجون في عمان أن يفقدوا ذاكرة الحرب أيضا فيما بينهم، كما يفعل الأردنيون في المساحات الحالكة في ذكرياتهم مع الأشقاء.

[email protected]