المزرعة!

بعض اصحاب المواقع السابقة يصفون بعض اصحاب المواقع الفاعلة بأنهم يديرون مؤسساتهم بعقلية المزرعة، اي كأن المؤسسة او الوزارة او الادارة مزرعة خاصة يتصرف بها كما يشاء. وهذا يعني ان ما يضبطه ويحركه هو رأيه ومصالحه وليس القانون او الخوف من الرقابة التي تفرضها المؤسسات الدستورية او حتى رقابة الإعلام او المتابعة الادارية.

اضافة اعلان

نماذج من اصحاب المواقع ممن يسكنهم الشعور ان وجودهم في المواقع فضل وكرم منهم على البلاد والعباد, وبعضهم يصاب بالغرور، ولا يرى امامه احدا، والبعض يرى في نفسه شخصاً مدعوماً مفوضاً يمكنه ان يفعل ما يشاء لانه يتمتع بالحماية، وبعضهم يرى نفسه اهم من مرجعيته الدستورية والقانونية.

عقلية المزرعة تجعل هؤلاء يتجاوزون القانون والاعراف. فالقرار الذي يريدونه يصدر، ومن يعترض ليشرب البحر، بل يدفع الحال المسؤول الى العناد بمزيد من هذه القرارات ليثبت انه يفعل ما يشاء من دون رقيب او حسيب.

واحياناً هنالك حالات كان البعض يأتي بما يُكتب بحقه من شكاوى وملاحظات ويستدعي المتظلمين ليشاهدوا كيف يحرقها! والسبب ان علاقة خاصة تربطه بجهة رقابية، او يلجأ لمحاسبة من ينتقد سواء كان اعلاماً او نوابا بمنع اعلانات او حجب الخدمات عن النائب، ويزداد سلوكه بالتعامل بعقلية المزرعة اذا اغمضت مراكز صناعة القرار عيونها عن سلوكه، فهذا يعزز قناعات المظلومين بأن هناك رضىً عن هذه القرارات وحماية لها.

وعقلية المزرعة اكثر تأثيراً اذا كانت من نوع سياسي، فأمر خطير مثلاً ان تمارس حكومة استئثاراً بكل السلطة، وتغيب السلطة التشريعية الرقابية، ويتوسع نفوذ الحكومة لتكون الآمر الناهي. فمن يرفض عقلية المزرعة عليه عندما يكون في اي موقع مهم ان يحترم حق المؤسسات الدستورية في البقاء اولاً، ثم في العمل في الرقابة واداء واجباتها، وقد شهدنا مرحلة غاب فيها مجلس النواب تحت ظروف قاهرة، ففعلت الحكومة ما تريد واصدرت مئات القوانين المؤقتة.

وعشنا مراحل كانت عقلية المزرعة بأن هيمنت حكومات على فئات من النواب بكل الاشكال، ومراحل تصدر فيها قرارات تعيين مفضوحة لـ"المحاسيب". ويرافق هذا ادارة الظهر لكل اعتراض، واعتراض على كل صوت يطالب بتطبيق القانون. لو استرسلنا في الامثلة لوجدنا في كل مرحلة من يديرون مواقعهم بعقلية المزرعة. ولهذا نجد مع رحيل اي حكومة او مسؤول مهم او متوسط الشأن تفتح الملفات لنجد قرارات بأشكال وألوان الحقت ضرراً بالمصالح العليا وحتى بطبقات الناس وربما موظف الوزارة او الدائرة والمؤسسة.

عقلية المزرعة لا يلغيها الا وجود رقابة حقيقية على المسؤول تجعله يخاف من تجاوز القانون او استعمال قلمه لاصدار قرارات لا مرجعية لها الا الاهواء والمصالح. ولهذا يحتاج كل مسؤول مهما كان موقعه الى ان يخاف من رقابة معينة, وان يدرك ان الاخطاء تجد من يتابعها.

والبعض يخلط بين الصلاحيات التي تكون واسعة وبين ممارستها، بل وزيادتها، ويعتقد ان وجوده في الموقع الاول في الوزارة او الحكومة او المؤسسة يعطيه الحق ليس فقط في ممارسة الصلاحيات، بل توسيعها من دون رقيب وتوجيه هذه الممارسات لمصالحه او آرائه وتوجهاته الفردية.

ومما يساعد اي مسؤول يتعامل بعقلية المزرعة ان يكون طاقمه ضعيفاً صامتاً. يعتقد ان تمرير ما يريده المسؤول يخدمه ويعزز مصالحه ووجوده، وبعض من يتولون المواقع الاولى يحرصون على ابعاد اصحاب المواقف والرأي ويأتون باشخاص لا حضور لهم ولا رأي، فيكون رأيه رأي الجميع، وهذا يعتمده البعض ليهيمن على كل شيء.

اخيراً؛ نتمنى ان يدير البعض الشأن العام كما يديرون مزارعهم التي تدر الارباح وتتطور بسرعة, لكن المزرعة العامة فقط لغايات بناء خاص!

[email protected]