المعادلة الغائبة!

جيل الشباب هو الأكثر تأثراً بأيديولوجيا "داعش"، بخاصة من هم في بداية العشرينيات من عمرهم حتى آخرها. وهو أمر طبيعي ومتوقع؛ فسنّ الشباب هو سنّ الطاقة والحيوية، والراديكالية في الوقت نفسه.اضافة اعلان
ما سبق متوقع وطبيعي أكثر في العالم العربي، الذي يجد فيه الشباب أنفسهم محاصرين بأسئلة الأزمات المركّبة مع غياب الحلول والآفاق، وحتى المسارات التي يمكن من خلالها أن يفجّروا طاقاتهم، وأن يذهبوا براديكاليتهم إلى مدى لا يؤدي بهم إلى الانزلاق في دهاليز الإرهاب والتطرف، أو الانحراف والمخدرات والجريمة!
في مكافحة التطرّف، إذا لم ننظر إلى تلك المعادلة، فإننا لن ننجز شيئاً يذكر؛ لا عبر المؤتمرات ولا الندوات، ولا مراقبة المساجد، ولا بأيّ وسيلةٍ كانت. فنحن أمام أجيال متتالية صاعدة تبحث عن نفسها وأحلامها الراديكالية أو العادية، وإذا لم توفّر لها فرص ومساحات عريضة عبر حرية التعبير والمؤسسات الإبداعية ورعاية المواهب، وإذا لم يتفهّم المسؤولون الطبيعة الراديكالية لجيل الشباب، فإنّه سيندفع نحو الخيارات المتطرفة السابقة (التطرف، المخدرات والجريمة).
إذا أضفنا إلى ما سبق الظروف الاقتصادية والاجتماعية، وعلى رأسها البطالة والحرمان الاجتماعي، ومعضلة "جيل الانتظار" التي تتحدث عنها أدبيات البنك الدولي (وأشار إلى خطورتها د. عمر الرزاز)، والانسداد السياسي والطائفية والقضايا القومية والإقليمية العالقة وغيرها، فنكون أمام أجيال مرشّحة تماماً للانضمام إلى "داعش" وأخواته.
أمام هذه الصورة المقلقة، هناك صورة مغايرة تماماً تستحق أن ننظر إليها ونفهمها لجيل شبابي جديد يبحث عن المسارات الإيجابية في التغيير والمبادرة، بالرغم من انسداد الآفاق أو سدّها أمامهم؛ فيبحثون عن هوياتهم وذواتهم، ويشحنون طاقاتهم في اتجاهات المعرفة والقراءة والإنجاز العلمي والرياضي والأكاديمي، لكنّ مشكلتهم أنّهم منسيون ومتجاهَلون من قبل إعلامنا وأوساطنا السياسية والثقافية، ومؤسساتنا التي من المفترض أن تحتضنهم، لكنّها عاجزة عن إدراك مهمتها وأدوارها.
هؤلاء الشباب المبدعون والموهوبون هم الردّ أو النموذج البديل لداعش إن أحسّنا رعايتهم وتقديمهم وتعبيد الطرق أمامهم، وتسليط الضوء على تجاربهم وشخصياتهم؛ فهم الوحيدون القادرون على بناء جدار الحماية الوقائية من الانحرافات السابقة وتقديم البديل.
وإذا تجاوزت تماماً الشباب المبدعين والموهوبين والمنتجين لأنفسهم، أي الذين يفكّرون فقط في الجانب الفردي، فإنّ لدينا شريحة عريضة وواسعة تفكّر في القضية العامة، وفي التغيير الاجتماعي أو السياسي أو الثقافي، سواء من شباب حزبيين أو في المجتمع المدني أو حتى أفراد مستقلين.
كنتُ أفضّل ألا أذكر أسماء، لكنّ المثال مهم في توضيح الفكرة المطروحة هنا، ولو اقتصرت الأمر في مقالي هذا على الصعيد الإعلامي، لتقديم صورة متفائلة مشرقة إيجابية لما يمكن أن نحدثه من طفرة نوعية لو أردنا ذلك!
لينا شنّك، مثلاً، شابّة أردنية أنهت دراسة البكالوريوس في الجامعة الأردنية، تخصص علوم سياسية، ودخلت إلى عالم الصحافة، وتحديداً التحقيقات الاستقصائية. وهي تكتب في مواقع متخصصة أردنية وعربية مرموقة، وتتبنّى قضايا الشباب والعدالة الاجتماعية واللاجئين، وفي الوقت نفسه تعمل مترجمة محترفة مع مؤسسات دولية، ومندمجة بممارسة "اليوغا"، للتأمل الروحي واستكشاف الذات.
هبة أبو طه؛ صحفية شابة استقصائية، أنهت دراسة الإعلام من جامعة اليرموك، وعملت في إذاعات ومواقع إلكترونية كصحفية استقصائية، وأنجزت تحقيقات مهمة عن قضايا اجتماعية، وحصلت على جوائز. وهي تتعاون مع مؤسسات أكاديمية دولية في أبحاث وتحقيقات أخرى. تربت على حب القضية الفلسطينية منذ الصف الرابع الابتدائي؛ توجهها قومي يساري، لكن وظفته في خدمة مهنتها الإعلامية.
وغيرهما آلاف الأمثلة، أعرف منهم عشرات؛ من جيل راديكالي من "الشباب المجانين" (بالمعنى الإيجابي)، يخلقون لدينا الأمل بالقادم بالرغم من كل ما يدور حولنا ويدفعنا الى الشاؤم والقنوط من المستقبل.