المعرفة باعتبارها عدم المعرفة

التصوف والعلم والفلسفة والفن والأسطورة والخرافة، لم تكن سوى مصادر الإنسان في لهفته التي ينشئها السؤال، وفي توقه الدائم إلى المعرفة. ثم تشكلت رموز وطقوس لتختصر السؤال والإجابة وتقربها. وفي ذلك تشوهت الرواية الأولى للسؤال والتوق إلى المعرفة والخلود، ثم نشأت رواية للرموز مستقلة عن أصلها وروايتها المنشِئة. وفي اندماج مصادر المعرفة ببعضها، تشكلت منظومات معرفية تبدو مستقلة عن الأصل، كما ينشأ البرونز من الحديد والنحاس ويكون أكثر جمالا وتماسكا!اضافة اعلان
هذه المصادر (التصوف والفلسفة والعلم..) مستقلة عن بعضها، وقد يبدو ذلك جدليا بالنسبة للتصوف، لكنه في علاقته بالدين لم يكن سوى استحضار مثل الفلسفة والعلم. ولذلك نجد التصوف الإسلامي، والتصوف المسيحي واليهودي والهندوسي. التصوف سبق الدين، ولعله سابق للعلم والفلسفة؛ عندما كان الإنسان يرى بقلبه، وينهل من الفضاء الحكمة أو يلتقطها. والأسطورة من السطر، أي الكتابة، عندما أدرك الإنسان الحكمة وأراد أن يحلها في حواسه ليفهم الحكمة كما تدرك الحواس الأشياء. تشوهت الحكمة قليلا، ولكن حيلة الإنسان هذه حفظت الحكمة من الضياع، وإن تحولت إلى معان لا تدركها الحواس.
في التصوف تحايلت الحكمة على السلطة الدينية والسياسية بالرموز، فلم يعد المعنى متاحا ولا محتملا، ولكن يمكن أو لعله يسكن فيك ويعمل وأنت لا تدرك، وحين تستخلصه صافيا من الطقوس والمعارف تواجه الحقيقة، فتلجأ إلى الجهل محتميا من وهجها وطاقتها التي تجعلك دكا. هؤلاء الدراويش عرفوا، وإن كنا نظن أننا أحسن منهم فلأننا لا نعرف.. ربما!
وفي الدين نستحضر اليقين المستحيل لنظفر بالطمأنينة، ولكنا لأجل ذلك نتنازل عن تقرير مصيرنا إلى السلطة التي نرتضيها أو نصدقها لنصلح ما أفسدناه. وهكذا نستعين بتوقنا إلى المطلق والطمأنينة أو على الأقل السلام والاستقرار.
لكن السلطة تظل في هاجس الأمان ويشغلها ذلك بامتلاك الدين والتصوف والعلم وكل شيء، فلا تحتمل السلطة أبدا أن يظل الناس قادرين على ادراك الأشياء وتتبع الحقائق بقلوبهم مستقلين! فاحتمى التصوف من السلطة بالرموز والتقية والباطن!
أما العلم والفلسفة، فهما عدوا السلطة بلا مصالحة أبدا ولا قدرة على التكيف أو التقبل، ولكنهما عدوان ما من صداقتهما بدّ، السلطة الليبرالية وغير المتدينة ما أبعد العلم والفلسفة عن المدارس وليس المتدينون الأصوليون، وان كانوا هم ايضا يكرهون العلم والفلسفة.
ويبدو الحلّ حتى اليوم في الفن بما هو إدراك الجمال وإحلاله في الشعر والموسيقى والرسم والنحت والعمارة والأثاث والطعام واللباس والذوق العام والسلوك وأسلوب الحياة.. الفن هو الذي يصالحنا مع هذه التناقضات ويقلل من فجاجة الحياة، أو على الأقل يقسم الحياة بيننا وبين السلطة وأدواتها ومؤسساتها، فنجد مساحتنا الخاصة بنا وتأمن السلطة شرورنا!