"المفاجأة الأميركية" أميركا لا تستطيع فرض حل

"فجأة" أعلنت الولايات المتحدة أنها لم تستطع إقناع الحكومة الصهيونية بوقف الاستيطان، ودعت لأن تستمر المفاوضات رغم ذلك. ولقد بدا هذا الموقف مفاجئاً، ومربكاً في كل الأحوال. حيث إنه يعني أن الاتكاء على الضغط الأميركي، وعلى الوعود الأميركية، لم يعد له معنى. وأن ما كان يراهن عليه المفاوض الفلسطيني قد أصبح في خبر كان. إذن، ماذا يفعل؟

هذا المفاوض كان قد قرَّر بعد عودته إلى المفاوضات المباشرة في المرة الأولى بأن الهدف هو إيصال الأميركيين إلى نقطة كشف من يعرقل المفاوضات، وها أن المفاوضات تتعرقل من دون كشف أميركي، وأكثر من ذلك إلى ميل أميركي إلى تمييع المسألة، واللف على المفاوضات بأشكال أخرى، غير مباشرة أو سرية أو بالواسطة، من دون إدانة المعرقل ومن دون مقدرة على الضغط عليه. وبات يظهر كطرف محايد، يحاول تسهيل التفاوض فقط بعكس ما كان يراهن عليه المفاوض الفلسطيني.

إذن، أفق المفاوضات مع الدولة الصهيونية محدَّد، وهو مغلق في كل ما يتعلق بالشعارات التي طرحت فلسطينياً منذ البرنامج المرحلي، وأفق المفاوضات أميركياً مغلق كذلك لأن الولايات المتحدة لا تريد الضغط على الدولة الصهيونية كما يبدو على السطح. بالتالي أي مفاوضات وأي سلام؟

لقد رفض نتنياهو "الهدية" الأميركية التي قدّمها أوباما كمكافأة لوقف مؤقت للاستيطان لمدة ثلاثة أشهر، وكانت هدية مغرية، من دون أن يشك لحظة أنه قادر على الحصول على أكثر منها (سواء طائرات إف35 أوعدم السؤال ثانية عن الاستيطان أو..). لماذا؟ لأن العلاقة بين الولايات المتحدة والدولة الصهيونية هي ليست علاقة بين دولتين، بل هي علاقة عضوية: حيث الدولة الصهيونية لا تستطيع العيش من دون الدعم الأميركي المطلق، وخصوصاً فيما يتعلق بالوجود الاقتصادي، والولايات المتحدة تعتبر أنها تقيم "قاعدة عسكرية" مغلفة
بـ "مجتمع" تقوم بدور أداتها في المساعدة على السيطرة على الوطن العربي، مباشرة من خلال الحرب، وبشكل غير مباشر من خلال وجودها كحاجز، ومن خلال كونها عنصر تدخل وتفتيت. في هذا الوضع لا تستطيع الولايات المتحدة التخلي عن الدور العسكري الصهيوني، وعن ضرورتها من أجل التدخل والحرب، ولهذا باتت جزءاً من المنظومة الأمنية الأميركية في المنطقة (أخيراً النظام الصاروخي المسمى القبة الفولاذية).

في المقابل، أصبحت العلاقة السياسية بين الطرفين هي علاقة داخلية، وليست علاقة بين دول، حتى كما مع إنجلترا التي تبدو كتابع للولايات المتحدة. ولهذا سيبدو "الصراع" و"عض الأصابع" بين نتنياهو وأوباما كصراع داخلي أميركي، صراع على فرض خيارات أميركية داخلية: أعني صراع الاحتكارات فيما بينها، أو أساساً بينها وبين بعض ميول أوباما الداخلية (وليس الدولية)، سواء فيما يتعلق بالضمان الصحي أو بإصلاح النظام المالي. وكان مطلوباً تقزيم طموحه هنا من خلال إظهار هزال قوته. وفي هذا الوضع جاءت لعبة نتنياهو التي تترابط مع الميل العام للسياسة الأميركية التي جرى رسمها من قبل المحافظين الجدد.

ومن الواضح بأن المطلوب أميركياً هو دعم الموقف الصهيوني الذي يندفع نحو فرض منطقه، والانتقال إلى خطوة أخرى أبعد في السيطرة على المحيط، حيث باتت ضفة الغربية "تحت السيطرة".

إن النظر إلى أميركا على أنها طرف محايد، أو يمكن أن تلعب دور الضاغط على الدولة الصهيونية نتيجة العلاقة "الخاصة" بينهما، أو الاعتقاد بأن السياسة الأميركية قد أصبحت في مرحلة تفرض الاختلاف مع السياسات الصهيونية نتيجة اختلاف الرؤى والمصالح، وأن الدولة الصهيونية قد باتت عبئاً على الولايات المتحدة، هذه كلها أوهام تنتج عن "حب أميركا" الذي يفرض التعلق بأوهام أن تكون قادرة على تقديم شيء ما للمفاوض الفلسطيني والأطراف العربية.

اضافة اعلان

المشكلة تتمثل في أن مصالح النخب، والنظم، تترابط مع الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي يجعلها تظل في ميل أبدي للتفاوض مع الدولة الصهيونية.مشكلتنا هنا، وقضيتنا تضيع في هذا المسرب.