المفسدون في الأرض والاعتداء على الصحافة

"إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم".
الاعتداء الذي وقع على صحيفة "الغد"، ومحاولة منع توزيعها بسبب الخبر المتعلق بهرب السفينة المحملة بالذرة الفاسدة من ميناء العقبة، والتهجم على رئيس تحرير الصحيفة ومندوبها في العقبة، يعبر عن حالة خطيرة من الانتكاسة الأخلاقية والبدائية المفرطة التي يريد البعض أن يدفع البلد إليها، ويؤشر على حالة غير مسبوقة من الاستهتار بالقوانين والحريات والقيم والأخلاق، ويضر بمنظومة سيادة الدولة والقانون والثقة والمصالح العامة التي تتشكل حولها الصحافة والرقابة والتفاعلات الاجتماعية والإعلامية. اضافة اعلان
لقد سبق أن حذرنا مرارا من أن ظاهرة البلطجة ستلحق ضررا بالغا بالحياة السياسية والعامة، ولن ينجو منها أحد، بل إن المتضرر الأكبر منها سيكون المؤسسات الرسمية والسيادية في الدولة. فاللحظة التي يعتقد أحد مهما كان موقعه في الدولة والمجتمع أنه قادر على فرض إرادته بعيدا عن مؤسسات الدولة المنوط بها تطبيق القانون وحماية الحقوق هي أسوأ لحظة يمكن أن يعيشها الناس.
يحتاج كل مواطن، أيا كان هذا المواطن، أن يكون واثقا ومطمئنا وهو يتابع وسائل الإعلام أن الأخبار التي تنشر يجري بثها في أمان وحرية تامة، وفي اللحظة التي يشعر المواطنون أن وسائل الإعلام ليست حرة وأنها مهددة فإن ضررا كبيرا يلحق بالأمن الوطني والاقتصادي والعام، لأن منظومة الإعلام وتدفق الأخبار والتصريحات والآراء والتعليقات في وسائل الإعلام جميعها تعبر عن آليات العقد الاجتماعي المنظم لحياة الناس، والذي تقوم عليه المصالح والثقة والحياة اليومية بعامة. كيف سيثق المواطن أن خبرا عن عطلة العيد أو الطائرات القادمة والمغادرة أو أسعار البورصة او الوفيات أو مباراة رياضية أو النشرة الجوية هو خبر جرى إعداده بطريقة سليمة ولم يخضع معده لتهديد وابتزاز وبلطجة؟ ماذا سيحدث لحياتنا وأعمالنا عندما يشك المواطن أن بلطجيا أجبر صحفيا على تغيير مواعيد الرحلات في الخطوط الجوية أو أن متضررا من الهيكلة يزيد وينقص في أسعار الأسهم؟ كيف سيطمئن المودعون على مدخراتهم في البنوك؟ كيف سيصدق المواطنون أن الدواء الذي اشتروه من الصيدلية هو نفسه المذكور في وصفة الطبيب، وأن العلامة المثبتة على حليب الأطفال هي التي يريدونها بالفعل إذا كان مجرد خبر عن باخرة يتعلق بموظف ما يؤدي إلى التهديد والاعتداء وكسر ساق أحد العاملين في التوزيع؟! كيف ستتعامل الصحافة والمجتمعات وجميع المواطنين مع قضايا وأخبار تنشر كل يوم وتتعلق بآلاف الموظفين إذا كانوا يعتقدون أن الموظف الذي لا يعجبه خبر يلجأ إلى البلطجة؟
هؤلاء البلطجية الذين يعوقون عمل الصحافة ويهددونها، وبخاصة في مجالات تمس حياة المواطنين وشؤونهم اليومية، ويتجاوزون القانون ويهتكون حرمة العقد الاجتماعي ينتمون إلى فئة قطاع الطرق والمفسدين في الأرض الذين يجب التعامل معهم بمنتهى الجدية والخطورة.

[email protected]