الملك بين منهجي الثورة والتطور

في الورقة النقاشية الثالثة التي قدمها الملك للنقاش العام، تبدو الرؤية الملكية لمستقبل التحولات الديمقراطية في الأردن أكثر وضوحاً وأكثر جرأة هذه المرة، وتحديداً فيما يتعلق بتطوير النموذج الأردني في الملكية الدستورية، ومستقبلها في سياق الإصلاح السياسي.اضافة اعلان
وعلى الرغم من أن منهج الملك في إدارة البلاد، على مدى 13 عاماً من الحكم، يتبع مدرسة التطور وليس مدرسة الثورة والتغيير الجذري، إلا أن أفكار الملك وخطابه في ملف الإصلاح السياسي يميل نحو منطقة جديدة، بين مدرستي التطور والثورة. فما يزال منهج التطور هو الطريق، ولكن بروح ثورية غير مسبوقة. ونلمس هذه الروح في الخطاب السياسي الجديد؛ إذ أخذت هذه الروح تنتقل تدريجياً، وبأدوات التطور، إلى الإجراءات والممارسات السياسية.
قراءة ما وراء السطور لنظرة الملك لمستقبل الملكية الدستورية، تعيدنا إلى نموذج دور الملك في ميلاد وإرساء الديمقراطية في النموذج الإسباني الحديث، والذي يختلف نوعا ما عن تطور الملكية الدستورية في الملكيات الغربية المعاصرة؛ إذ يعني أن يقود الملك التحولات الديمقراطية ضمن سلسلة من الخطوات الشجاعة والجريئة، وصولاً إلى تداول سلمي حقيقي للسلطة، ويبقى للملك ضمانات حقيقية لحماية الديمقراطية.
في التجربة الإسبانية، وبعد أربعين عاما من الدكتاتورية بعد وفاة الجنرال فرانكو، وجد الملك خوان  كارلوس نفسه ملكا مطلق السلطات. وقد تم التحول من داخل النظام، أي تطور ثوري من الداخل، لأن الملك قرر طوعا التخلي عن بعض سلطاته، وأن يقود الإصلاح الديمقراطي بنفسه عبر حوار جامع لم يستثن أحدا؛ من الكنيسة الكاثوليكية المسيطرة على اليمين، إلى الحزب الشيوعي الإسباني الذي يتمتع بشعبية واسعة. في ذلك الوقت، حاول عدد من العسكريين والقوى التقليدية وقف هذا التحول، ولكن الملك تصدى لهم مدافعا عن مشروعه الإصلاحي. والنتيجة هي أن كارلوس أصبح نموذجا ورمزا عالميا لملك يقود الديمقراطية، وفي المقابل شهدت إسبانيا عقودا من الحرية والتنمية والاستقرار.
أكثر ما ينقصنا لاستلهام بعض ملامح هذا النموذج، هو كيف تصل رسالة الديمقراطية والإصلاح إلى المجتمع؛ كيف نخلق العمق الاجتماعي للديمقراطية؟ وهي مسألة ثقافية بالمعنى السياسي والاجتماعي. فلا يمكن للملك أن يبني ديمقراطية في الهواء، بدون أن يكون لدينا عمق اجتماعي قادر على أن يحمل الديمقراطية وأن يدافع عن قيمها، وأن يولد أهم محركاتها، وهو القدرة على التصحيح الذاتي الذي يمنع الاحتكار السياسي، ويمنع الاستقواء السياسي باسم الديمقراطية، ويحد من التطرف السياسي، ويخلق التوازن والتوافق.
الوصول إلى هذا النموذج هو نتيجة لسلسلة من التحولات التي لا يمكن أن تأتي بين ليلة وضحاها، بل هي تحتاج إلى نضوج اجتماعي-سياسي، وأن تصل القيم الإصلاحية إلى العمق الاجتماعي، أي "الديمقراطية العميقة". ويدلل الملك على ذلك بتجارب التحول الديمقراطي في أوروبا الشرقية منذ مطلع التسعينيات. وفي الحالة الأردنية، قد نحتاج في الحد الأدنى بين ثلاث إلى خمس دورات انتخابية حتى نتمكن من إنضاج نموذج الحكومات البرلمانية، واستقرار ملامحه على قاعدة من البناء الحزبي القوي، المرتبط بعمق اجتماعي وامتداد شعبي حقيقي.
تتلمس الورقة النقاشية الجديدة بوضوح تجديد دور الملكية وتحديده، إذ يلخص الملك هذا الدور بالقيام بدور الحامي للدستور، والحامي للاستقرار والعدالة. وهنا يعود الخطاب السياسي إلى ربط الملكية بالهاشمية، أي التركيز على البعد الرسالي؛ بمعنى أننا أمام مقدمات قد تصل إلى نموذج خاص من الملكية الدستورية التي تتفق مع التكوين الثقافي للملك نفسه، وللجيل الجديد من العائلة الملكية، ومع الحاجة إلى تطور ديمقراطي قد يصل إلى حد ثورة يقودها الملك من الداخل.

[email protected]