الملك في اليرموك

 

بدت زيارة جلالة الملك أمس إلى جامعة اليرموك فرصة مناسبة لإعادة التركيز على قضايا وهموم التعليم العالي في الأردن.

قضية التعليم العالي كانت قد تفجرت خلال السنة الماضية، وتمّ التركيز عليها سياسياً وإعلامياً بصورة مكثفة، بمجرد أن تحدّث عنها الملك، ثم عادت القضية إلى الركون والإهمال، بعد أن عقدت خلوات وخرجت استراتيجيات، لا توحي بقدر من الجدية التي تتناسب مع حيوية هذا الموضوع وخطورته بصورة رئيسة مستقبلاً.

اضافة اعلان

 ما يحير بالفعل، عند الوقوف على حوار الطلبة مع الملك وهمومهم وقضاياهم، أنّ هنالك العديد من القضايا التي يمكن أن تطرح وتحلّ بين الطلبة وإدارات جامعاتهم، وبين الجامعات والمجتمع المحلي، وهي قضايا تفصيلية، فلماذا لا تبادر الإدارات الجامعية والمحلية لحل هذه المشكلات بالتنسيق والتعاون والحوار مع الطلبة، ويتم تقديمها في لقاءات الملك باعتبارها منجزات لا تحديات ومشكلات، وترك الأمور التي تتطلب بالفعل مستوى عاليا من القرار السياسي والتدخل لجلالة الملك؟

موقف المسؤولين - في العادة- يبدو غريباً، إذ يؤكدون أنّ هذه المشكلات في طريقها إلى الحل، وأنهم يضعونها على جدول أعمالهم. لكن من الواضح أنّ الكثير منها لم تكن على جدول الأعمال المفترض، وأنّهم سمعوا بها، وربما لأول مرة، في حديث الطلاب لجلالة الملك. ربما هذا هو "الاستثناء الأردني": أن يشعر المواطن والطالب أنّ الملك أقرب إليه حتى من مسؤول بدرجة ثالثة أو رابعة أو خامسة. فيتحدث إليه بصراحة ووضوح من دون تكلفة ولا مقدمات.

في حديث الطلاب مع الملك طُرحت قضايا وموضوعات حيوية، كالحديث عن التناسب المفقود بين مخرجات التعليم العالي وبين سوق العمل محلياً وإقليمياً، كي لا يرتهن الطالب لشبح البطالة فور تخرجه من الجامعة. وهو موضوع بات ملحاً ويتطلب تفكيراً استراتيجياً لإعادة النظر في مخرجات التعليم ومستواها ومهاراتها المطلوبة (كاللغة الانجليزية والحاسوب)، كي لا نضاعف سنوياً أرقام البطالة.

وهنالك موضوعات يمكن حلها سواء على مستوى الجامعة أم على مستوى البيئة المحلية، كالحديث عن معاناة الطلاب في وسائل المواصلات، واقتراح بعض الطلاب استخدام البطاقة الذكية (تتضمن أسعاراً مخفّضة) في الحافلات، وكذلك دعم السلع والغذاء داخل حرم الجامعة، وهي مطالب مشروعة ومنطقية، فلماذا يتم تأخيرها؛ إذا كان هنالك حوار حقيقي بين إدارة الجامعة والمجتمع المحلي والطلاب!

من الموضوعات التي طرحها الطلاب، وتستحق بالفعل العمل على حلها، القدرة المالية لهم ولأهلهم على التكيف مع ارتفاع اسعار التعليم والسلع وشروط الحياة، ما يجعل من التدريس الجامعي عبئاً كبيراً على العائلة. أحد الحلول التي يمكن تحقيقها بالتعاون بين الجامعة ومؤسسات القطاع الخاص، بخاصة الخدماتية والسياحية (مطاعم، فنادق، مقاهي مكتبات..)، تتمثل بتوفير فرص عمل للطلاب المحتاجين في هذه الشركات بدوام جزئي (نظام ساعات العمل).

ظاهرة عمل طلاب الجامعات في المؤسسات المختلفة بدأت تنتشر في البلاد، وهي ظاهرة إيجابية تعكس تطوراً في القيم الاجتماعية والاقتصادية، لكنها تحتاج إلى تدخل من الجامعات والمؤسسات المعنية لتنظيمها وتوفير أكبر قدر من الفرص الممكنة، لضمان أيضاً أجرة عادلة مقابل العمل المطلوب.

القضية المركزية الأخرى التي طُرحت في حرم اليرموك أمس هي مسألة الحريات السياسية ودور الجامعات في بناء الوعي السياسي والثقافي للطلاب. ومن المعروف أنّ العمل السياسي والثقافي قد ضعف كثيراً في السنوات الأخيرة، وتحولت المناظرات الطلابية والحوارات من الحديث عن الأيديولوجيات والاختلافات السياسية والفكرية إلى الصراعات الجهوية والعنف الجامعي، الذي يعكس فراغاً روحياً وفكرياً لدى الطلاب، وليس له علاج إلاّ ملء الفراغ بالتنشئة السياسية وصقل الافكار بإحياء العمل الطلابي الحقيقي.

الملك كان حاسماً واضحاً، طالب الطلاب بالمبادرة والجرأة، وتكفّل بحمايتهم..

فيا ترى هل التقط أصحاب القرار في التعليم العالي وإدارة الجامعة الموقف الملكي؟! وإذا كان كذلك: هل يمكن أن يتخذوا قرارات فورية باستعادة الحياة الثقافية والسياسية والفكرية في الجامعات؟

على الرغم من النقاش الجيّد والجريء من ممثلي الطلبة مع الملك، إلاّ أنّنا كنا نتمنى رؤية ممثلين عن حركة "ذبحتونا" الطلابية الناشطة، وعن الاتجاه الإسلامي الذي يمثل لوناً طلابياً رئيساً، فالملك مظلة جميع الطلاب بل المواطنين على اختلاف ألوانهم واتجاهاتهم السياسية والفكرية.

[email protected]