الناجحون الجدد

مواكب الاحتفال بالنجاح في "التوجيهي"، سيريالية؛ إذ الفرح بالنجاح في امتحان عقيمٍ شكلاً ومضموناً. عقيم باعتراف وزراء التربية والتعليم أنفسهم، وبتأكيد الخبراء التربويين، وقبل ذلك وبعده، فإنه عقيم عملياً بتخريج طلبة -في معظمهم- ليسوا مؤهلين لدخول "مضافة"، ناهيك عن الالتحاق بجامعة.اضافة اعلان
لكن ما يُدمي القلب والروح، أن الحكومات المتعاقبة تستمر في تنفيذ هذه المسرحية الهزلية في التعليم الثانوي، وتدفع سنوياً بطلبة بكفايات ذهنية وسلوكية وبمهارات ضعيفة، ليدرسوا في جامعات حكومية يتراجع مستواها، وجامعات أهلية -في معظمها- تُعطي صكوكاً للبطالة الصريحة والمبطنة. ما يُدمي القلب والروح أيضا، أن الحكومات المتعاقبة ترضى بهذا العبث المستمر في التعليم العالي، وليس فيه من العلو شيء، وترضى بتخريج طلبة لا يتقنون العربية ولا الإنجليزية، ناهيك عن ضحالة معلوماتهم وسطحيتها، وضعف خبراتهم العملية في مجال تخصصهم!
خذوا عينة عشوائية من الناجحين الجدد في الثانوية، وليدخلوا امتحاناً مستقلاً لكِفايات التعليم المُتوقعة لمستوى "التوجيهي"؛ في مواد اللغة العربية والإنجليزية والرياضيات، وفي مهارات حل المشكلات والتفكير الناقد، وانظروا عِظَمَ المصيبة.
من قال أصلاً إننا نحتاج إلى درجات علمية جامعية؟! أرسلوا طلبتنا للدراسة المهنية، أفضل لهم ولنا، ولنوقف هذا الاندفاع غير العقلاني للدراسة الجامعية. من قال إن وظيفة "كاشير في بنك" تحتاج لدراسة أربع سنوات جامعية؟! أو أن وظيفة "معلم بلاط" تحتاج إلى شهادة هندسة؟! نعم؛ نحتاج معاهد مهنية وتعليما مهنيا لمدة سنة أو اثنتين على الأكثر، وهذا صار محل إجماع، ولا أفهم لماذا يتأخر تنفيذه! فالتعليم المهني أمل الأردن الاقتصادي والسياسي.
لقد سئمنا تشخيص التحديات. وأظن أننا تَعبنا وأتعبنا الوطن "بعلاك فاضي" حول خطط موضوعة وندوات منعقدة لحل قضايا مُلحة نتفق جميعاً على أولوية الإصلاح فيها، مثل التعليم، وسوق العمل، والمواصلات، والصحة، وتكافؤ الفرص. وأيضاً هَدَّنا الحديث عن ظروف الأردن الاقتصادية. لكن مع كل هذا التشخيص والتنظير، فإن العمل وإنجاز الحكومات المتعاقبة ليسا بحجم التحديات ولا بالسرعة اللازمة لتفادي المحظور، لا سمح الله. ومع أنهم مجمعون على خطورة المرحلة والظروف المحيطة، إلا أن أداءهم ووتيرته لا يعكسان ما يتحدثون به عن خطورة الموقف.
نعم، لا يمكن أن تَظل وتيرة الإصلاح على هذا النحو، وكأن الإصلاح نزهة نَنوي القيام بها. هناك قضايا تحتاج إلى ذهن الطوارئ، تحتاج أن نُشمّر عن سواعد العمل الفوري وننقض على تلك القضايا باتخاذ ما يلزم لإصلاحها فوراً، أوَ لَيس إصلاح التعليم بأهمية تنظيم التنبؤ الجوي الذي أنجز بِلَمح البصر؟!
اليوم، لا يجوز لأيّ منصف المجادلة في توفر إرادة الإصلاح، وفي انعقاد إرادة جلالة الملك، وعمله الدؤوب لإنجاز إصلاح اقتصادي وسياسي يأخذ الأردن للأمن والأمان السياسي والاقتصادي. ومع أن رئيس الوزراء الحالي -وللموضوعية- قد أنجز الكثير وتصدّى لقرارات ضرورية غير شعبية، إلا أن وتيرة العمل في جميع الحكومات المتعاقبة لا تنسجم مع حجم المشكلة، ولا مع أهمية سرعة الإنجاز ودقته.
أُدرك حجم التحديات المادية والمعنوية، وأُدرك خطورة الوضع الأمني حولنا، وأُدرك كذلك، أن الشيطان اللعين يَكمن في التفاصيل. ولكن الشيطان يكمن أيضاً في استمرار السماح بانهيار التعليم أمام أعيننا، لا بل يكمن في تخريج طلبة لا نستطيع تشغيلهم وليسوا مؤهلين لسوق العمل الإقليمية ولا العالمية. الشيطان يكمن في السماح باستمرار طبقة من موظفي القطاع العام مُحاربي التجديد والإصلاح، سواء في ضرورة تغيير المناهج، أو تسهيل أمور الاقتصاد والاستثمار المحلي والأجنبي. هذا شيطان، أمّا الشيطان الأكبر فإنه يَكمن في استمرار الوتيرة البطيئة في عمل الحكومات والبرلمان، وكأننا في "جمعة مشمشية"، أو كأننا نملك كل الوقت لإنجاز ما نطمح إلى إنجازه من إصلاح!
"اصحوا شباب" وغيروا ما بأنفسكم، فكما قيل: تحتاج لعقلية غير التي خلقت المشكلة لحلها؛ فاهم علي جنابك؟!