النهايات وما بعدها

يشكل كتابا الدكتور نبيل علي "العرب وعصر المعلومات" و"الثقافة العربية في عصر المعلومات" الصادران عن السلسلة الكويتية العظيمة "عالم المعرفة" استجابة رائدة ومهمة مع التحولات المعرفية وتداعياتها، فالتطور المتسارع في التقنيات الحديثة (أجهزة الحاسوب والموبايل على سبيل المثال) يصحبه تحولات ثقافية واجتماعية سريعة أيضا، بخلاف طبيعة الثقافة التي تتحرك عادة ببطء يقل عن سرعة التحولات التقنية والاقتصادية، وهذا ما يجب فهمه والتأكيد المتواصل عليه في عمليات التنمية والإدارة حتى لا نخرج من التاريخ والجغرافيا.

اضافة اعلان

ونجد مصطلحات ورموزا كثيرة تعبر عن هذا التسارع والنفي يمكن وصفها بـ "نهاية" و"ما بعد"، نهاية المكان، نهاية الجغرافيا، نهاية التاريخ، نهاية الدولة، نهاية الأيدولوجيا، نهاية الكتاب، نهاية المؤلف، نهاية المدرسة، نهاية القومية، نهاية المدينة، نهاية العمل والوظيفة، نهاية الطبقة الوسطى، نهاية الوسطاء، نهاية الذاكرة، أو ما بعد الحداثة، ما بعد السياسة، ما بعد النفط، ما بعد المعلوماتية، ما بعد الإنترنت، ومنها مصطلحات النفي، مثل مصانع بلا عمال، ومدارس بلا مدرسين، مكتبات بلا كتب، وموظفين بلا مكاتب، أفلام بلا ممثلين، تعليم بلا معلمين.

وهي مصطلحات ليست عشوائية ولكنها ذات دلالة وتداعيات كثيرة وعميقة، فنهاية المدارس تعبر عن التعلم الذاتي ودور الإنترنت وشبكات الاتصال في التعليم وتعاظم دور الأسرة، ونهاية الوسطاء تعبر عن الدور الجديد لتقنية المعلومات والذي يلغي كثيرا من وظائف الخدمات كالحجز في الفنادق وخطوط الطيران وشراء العقارات والسيارات والكتب، وحتى الخاطبة. وهي تحولات تنقل التعليم من دائرة اليقين إلى الشك ومن المطلق إلى النسبية، يقول أحد علماء الاجتماع: " لقد فقد العلم ثقة العلماء بعدما وثق به الناس، وهي مقولة ذكية تعبر عما نلاحظه بين العلماء من عودة إلى الطبيعة والبدايات في الحياة والعمارة والطب والغذاء في الوقت الذي يتجه فيه الناس إلى الوسائل الحديثة، وهو أمر كان معكوسا طوال القرون الماضية منذ بدأت نهضة الصناعة في القرن السابع عشر". ويقول إيليا بريغوغين الحائز على جائزة نوبل: " إن القرن العشرين حول كوكبنا من عالم متناه من الحقائق اليقينية إلى عالم لا متناه من الشكوك".

وكانت هذه التحولات على درجة من الأهمية والعمق إلى مستوى أنها جعلت الدراسات المستقبلية والتخطيط الإستراتيجي موضع شك وسخرية، حتى يكاد التنبؤ الوحيد الصحيح هو استحالة التنبؤ، فلم تكن آلة التسجيل هي آلة التعليم المثلى كما تصور مخترعها، ولم تقتصر استخدامات الكمبيوتر على الإحصاء كما توقع مهندسه الأول، ولم تقتصر مبيعاته على أربعة أجهزة سنويا كما توقع رئيس مجلس إدارة شركة I.B.M . فهي إذن ثقافة المجهول والمغامرة والشك!

وتعمل تقنية المعلومات على هدم الحواجز بين العلوم والفنون وبين المعارف والخبرات، ويمكن أن ترأب الصدع في المجتمع الإنساني بعد أن أصبح أشد اختلالا وتناقضا، وبعد أن كان يعاني من الانفصال في كل شيء تقريبا: انفصال بين الفكر والسلوك، وبين النظرية والتطبيق، وبين التعليم والتربية، وبين التنمية والمحافظة على البيئة، وبين التقدم الاقتصادي وتحقيق الرفاهية الحقة، وبين قدرات التكنولوجيا الممكنة ونتائجها المتحققة فعليا، ومن ثم انفصال الإنسان عن واقعه، وانفصال الإنسان عن الإنسان.

وقد أبرزت تكنولوجيا المعلومات كثيرا من علاقات الترابط والتداخل مما يجعل حياة الإنسان أكثر توازنا وتكيفا، وأصبحت الثقافة شاغلا أساسيا للجميع بعد أن اتضحت أولوياتها في عملية التنمية بالإضافة إلى كونها من أهم صناعات عصر المعلومات، وعادت الأسئلة التي أخفاها القرن العشرون في غمرة التخصص الدقيق والفصل بين العلوم والمعارف والثقافة، عادت تطرح من الصفر معظم القضايا الثقافية والاجتماعية، ولم يعد التنظير الثقافي الحديث يقبل الفصل بين ثقافة النخبة وثقافة العامة.

إن المجتمعات لا تشكلها السياسة أو الاقتصاد بقدر ما يشكلها التواصل السائد بين الأفراد والجماعات والمؤسسات، وقد جاءت تكنولوجيا المعلومات لتزيد هذا المفهوم رسوخا، والفرصة مهيأة أكثر من أي فترة ماضية لإقامة تكنولوجيا إنسانية واجتماعية تعيد للمجتمع الإنساني توازنه وعقلانيته.

يقول بيير ليفي: " ثمة ظاهرة اجتماعية جديدة تتشكل لم يسبق للدين أو القانون أو الاقتصاد التقليدي أن تناولها، إنها الذكاء الجمعي الكلي الذي يتضاعف في أسيا مع زيادة التفاعل وزيادة معدل إنتاج المعرفة وتداولها واستهلاكها وزيادة التفاعل بين عناصر المنظومة المجتمعية".

[email protected]