الوطنية الأردنية تزدهر

قد لا يكون هناك جديد يقال حول العملية النوعية التي نفّذتها قوات أمنية أردنية بحرفية لفتت انتباه العالم. فقد استطاع الأردن، خلال آخر عقدين، تطوير حسّه الأمني وقدراته في الضربات الاستباقية، بما يفوق مرات التقديرات الاستراتيجية التقليدية. وهذه ليست العملية الأولى؛ إذ هناك ما هو معلن وما هو غير معلن عنه من مخططات عدائية تم إحباطها في مهدها. والمهم، في تقديري، يبدو في تداعيات هذه العملية على الداخل الأردني؛ فالمجتمع الأردني يستعيد عافيته الوطنية بطريقة مفارقة تماما لما يحدث في الإقليم.اضافة اعلان
خلال العقد الأخير، ازدهرت الوطنية الأردنية بشكل كبير وفق المؤشرات العلمية التي تقيس مسار بناء الدول وازدهارها، على الرغم من كل مكامن الضعف ومصادر التهديد التقليدية وما فوق التقليدية التي اعتدنا ترديدها في السنوات الأخيرة، وتحديدا ما يتصل بأزمات التحديث التي عادة ما تشهدها المجتمعات في مراحل انتقالية. وأهم هذه المؤشرات على الإطلاق، قدرة الأردنيين على خلق التوافق الوطني في اللحظات الفاصلة. صحيح أن هذه ردود فعل طبيعية في لحظات الشعور بالتهديد أو مواجهة خارجية، وتحدث في الكثير من المجتمعات، لكن ما يحدث في الأردن مختلف تماما، ويؤسس لفهم جديد حول ديناميات المجتمع الأردني وقصة الهشاشة الديمغرافية وهضم التنوع وإعادة إنتاجه، ما قد يضعنا بعد عقود قليلة أو حتى سنوات، أمام نموذج تاريخي آخر لفكرة بوتقة الانصهار وإعادة إنتاج المجتمعات.
اختبر التوافق الوطني خلال السنوات العشر الماضية في ثلاث لحظات صادمة؛ تفجيرات عمان العام 2005، وحادثة الشهيد الطيار معاذ الكساسبة العام 2014، وعملية إربد الأخيرة. وكل من هذه اللحظات خلقت إجماعا وتوافقا سياسيا واجتماعيا قويا، وكل من هذه اللحظات قد ينظر إليها من زاوية مختلفة من حيث مصادر التهديد ومستواه والمستهدف منه والفاعلون فيه. ولعل اللحظة الأخيرة هي الاختبار الأقوى والأكثر حرجا من منظور بنية المجتمع وما يثار حول هشاشتها؛ فقد كان الفاعلون أردنيين بكل وضوح وبساطة.
الوطنية الأردنية تزدهر، وتخلق الالتفاف حول الجيش والأمن، في محيط تدمِر فيه الجيوش الأوطان، وتمزق الأجهزة البوليسية المجتمعات وتحولها إلى مذاهب وملل. والوطنية الأردنية تزدهر حيث تتوحد التيارات السياسية والنخب والمرجعيات على تعريف واحد للمصلحة الوطنية، في جوار اكتشفت فيه التيارات والنخب السياسية أن الوطن لا يستوعبها، فتقاسمته حصصا.
المفارقة الأردنية تبرز في أن الأحداث هي وحدها التي تدشن هذا النموذج المختلف في مسار بناء الدول الحديثة، فيما ما تزال الوطنية الأردنية تعاني من فقر مخجل في الأدوار البنائية لمؤسسات التنشئة، وفي مقدمتها المؤسسة الثقافية الرسمية والمؤسسة التعليمية والمؤسسة الإعلامية.
إن مناخ الوطنية الأردنية الراهن قابل للبناء عليه وقابل للازدهار. وعلينا أن نفكر من جديد: هل نحن فقراء بالرموز والتعبيرات الجمعية التي يبنى من خلالها البناء المصلحي والعاطفي الجماعي، وتشيّد بالتالي الذاكرة والخيال الاجتماعي البناء؟ وهل هناك مبالغات سياسية في تقدير عمق فجوة المواطنة والوطنية؟
الأردنيون عليهم اليوم واجب تجديد تمسكهم بالمستقبل وبأمنهم، من خلال المزيد من الذكاء العاطفي الجماعي الذي يعيد ترميم العلاقة بين المواطنة والوطنية، بل إعادة إنتاجهما من جديد وتجاوز أخطاء الماضي القريب. ما يعني أن ما نحتاجه اليوم هو منظور اجتماعي-سياسي للتنمية السياسية والثقافية، قائم على تنمية المواطنة والوطنية معا على أسس مدنية عقلانية بعيدا عن الانغلاق والأحادية، وهو السؤال القديم الجديد الذي لم تجب عنه الدولة ولا المجتمع.