"الوطن البديل" والبديل الوطني

تزامنت مجموعة من الأحداث المتناقضة خلال الأيام القليلة الماضية مع متغيرات الوضع الداخلي الإسرائيلي، أهمها اللقاء بين اولمرت رئيس الحكومة وزعيم حزب كاديما من جهة، وليبرمان زعيم الحزب (إسرائيل بيتنو) وهو الحزب اليمني المتطرف الذي يرث اليوم مقولات تهجير الفلسطينيين والوطن البديل من جهة ثانية، واحتمال تغيير الائتلاف الحكومي في إسرائيل لصالح دخول الحزب اليميني المتطرف الحكومة.

اضافة اعلان

في الوقت الذي أثارت فيه إجراءات وزارة الداخلية الأردنية التي تحدثت عن مراجعة آثار قرار فك الارتباط بين الضفتين، على حالات إنسانية تأثرت من تطبيق القرار، عاصفة من الهواجس التقليدية التي تعيد خلط الأوراق من جديد، في ظل انسداد الأفق السياسي مع تعقيدات الوضع الداخلي الإسرائيلي عقب حرب لبنان الأخيرة وازدياد حدة الأزمة الداخلية الفلسطينية.

الأردن الرسمي يصر على ان اتفاقية السلام قبرت أحلام الوطن البديل عند الاسرائيلين وأنهتها من دون رجعة، في المقابل لا تزال الساحة المحلية الأردنية وبعض المنابر العربية تصر على إعادة دق ناقوس هذا الخطر كلما لاحت في الأفق شائبة ترتقي إلى مستوى هذا الخطر أو لا تمت له بصلة، المعنى ان بعض المنابر اتخذت من هذا التهديد الذي لا يزال قائماً بالفعل أداة للتدخل في الساحة السياسية الأردنية بين فترة وأخرى, في حين لا احد يتذكر ان التطرف على الساحتين والتناقض الحاد بينهما يلتقي في مفارقة عجيبة عنوانها للأسف الوطن البديل.

التطرف السياسي على الساحتين الأردنية والفلسطينية لايزال يتمسك بحلم وحدة الضفتين في الوقت الذي لا تزال الضفة الأخرى تحت الاحتلال، وقبل إنجاز مشروع الدولة الفلسطينية، ويطمح بوجود تحالف نضالي إسلامي على جبهتين مفتوحتين في مواجهة إسرائيل، وعلى واجهة هذا الطرح من الناحية النظرية والتعبوية، لكنه يحمل مغامرة ليست سياسية وحسب بل ومصيرية أيضا، لأنه في لحظة ما سيخدم الخيار الإسرائيلي المتطرف، وسيصب في مصلحة فكرة الوطن البديل لا غيره.

إسرائيل من ناحيتها لم تحسم مصير هذه الفكرة التي تجمع لديها بين الايديولوجيا والاستراتيجيا (الايدوستراتيجيا) لأنها كيان ديناميكي قابل للتغيير والتكييف السريع وفق الفرص والمصالح المتاحة، فانه قد تصعد في أي وقت قوة سياسية متطرفة تجد الظروف الملائمة للشروع بهذا المخطط أو ذاك، لكن الدروس الإسرائيلية تفيدنا ان حجم المغامرة الإسرائيلية ونوعيتها يحددها بالدرجة الأولى الموقف المقابل على الساحة العربية.

خلال عقد مضى تغيرت إسرائيل والعالم يراقب ويرصد اتجاهها المتزايد نحو اليمين، وخلال هذا العام ازدادت مؤشرات هيمنة اليمين على السلطة وفي مراكز صنع السياسات الإسرائيلية، وبالتحديد في ضوء صعود حركة حماس إلى سدة الحكم والإحساس بتزايد مخاطر الملف النووي الإيراني، وأخيرا ما خلفته حرب لبنان من آثار مقلقة.

هنالك تغيرات اخرى ينتظرها الوضع الداخلي الإسرائيلي بعضها يصل إلى احتمال تغيير النظام السياسي الإسرائيلي نحو النظام الرئاسي وتوسيع عدد أعضاء الكنيست وتعديل النظام الانتخابي، وهنالك أحاديث عن النية لإقرار دستور دائم لإسرائيل يوضح حدود إسرائيل النهائية أو ربما يأتي بصيغة مبهمة من جديد. وكل هذه التداعيات والتطورات المحتملة تتطلب قراءة أردنية وفلسطينية لموقع مسائل اللاجئين والتهجير والوطن البديل منها من دون حساسية فلا توجد مرحلة يتضح فيها تطابق المصالح الوطنية الأردنية والفلسطينية مثل هذه الأيام. ولنعترف ان الغموض من قبل الطرفين حول هذه المسائل هو احد أهم نقاط الضعف التي يطل منها كل مرة رأس فكرة الوطن البديل وهواجسها.

البديل الوطني الأردني بكل بساطة هو التمسك بالدولة الأردنية وجعل مسألة قيام الدولة الفلسطينية المستقلة الخيار المصيري الوطني الأردني الأول ليس من قبل السلطة السياسية وحدها، بل ومن قبل القوى السياسية الأخرى التي آن الوقت لها لتعي مخاطر الحديث عن تغير المعادلات الوطنية القائمة قبل إنضاج حلول تاريخية للصراع.

[email protected]