انتصار جلالة الملك للامركزية

 دعم اللامركزية شكل موقفا اعاد فكرة الاقاليم لبعدها الاداري التنموي، وأزال عنها اي أبعاد سياسية متداولة

توجيهات جلالة الملك بأن يكون تطبيق فكرة اللامركزية على مستوى المحافظات، تحمل دلالات عدة تؤشر بوضوح على استمرار تعددية وديمقراطية دوائر صناعة القرار الاعلى في الاردن فيما كان يوصف بإحدى ميزات الاردن النسبية والتي جعلت هذا البد ما هو عليه الان. جلالة الملك اكد ارث الهاشميين في الحكم والذي طالما استند الى كونهم لا ولن يقفوا الا على مسافة متساوية من ابناء رعيتهم وانهم يستمعون لوجهات النظر كافة حول القضايا ثم يتخذون القرارات التي تعبر عن رأي اغلبية ابناء المجتمع وتستند لحصافةٍ ورؤيةٍ عقلانية طموحة. دعم اللامركزية شكل موقفا اعاد فكرة الاقاليم لبعدها الاداري التنموي، وأزال عنها اي أبعاد سياسية متداولة، واستبعدها كوسيلة قد يستخدمها البعض للمزايدة على آخرين.

اضافة اعلان

 حراك الاقاليم انتهى بفائدة للحياة السياسية العامة فقد تعدى كثيرا حدود كونه فكرة ادارية هدفها تفعيل الكفاية العامة لجهاز الدولة البيروقراطي، وتحول لحراك سياسي "اختبر" كفاية مجسات الدولة السياسية من حيث قدرة استيعابها المدخلات والضغوط ومن ثم تدويرها ودراستها والاتيان فيما بعد بقرارات حصيفة يمكن تسويقها والدفاع عنها.

ما يستحق التوقف في هذا الحراك ايضا هو دراسة التباين بين سلوك اعضاء اللجنة الملكية للاقاليم. فمن اعضاء اللجنة من انسحب منذ البداية معترضا على التوجهات الاولية لها، ومنهم من بقي ملتزما ومدافعا عن هذه التوصيات ما استطاع لذلك سبيلا ولكنه التزم بأن هذه التوصيات هي مجرد اقتراحات قابلة للنقاش والتعديل، ومنهم من استبسل في الدفاع عن توصيات اللجنة ملمحا بالتشكيك احيانا – عن حسن نية كما نعتقد – بنوايا من لا يقبل هذه التوصيات. ونؤكد هنا كما وسبق وفعلنا على بديهة ان الدولة الاردنية للجميع ومن ينتقد او يمتدح فإنما يفعل ذلك باسمها وتحت لوائها وبغية عزتها ولا يجب ان يزاود احد على الاخر ويهت عليه بسيف الدولة، ونؤكد اننا تجاوزنا ذلك منذ عقود خلت عندما كان الاسلامي واليساري – المحرمان آنذاك - يرفضان ان يزاود عليهما احد باسم الدولة وبسيفها.

نؤكد مرة اخرى ان فكرة اللامركزية فكرة رائدة وبناءة والاردن بحاجة لها، وان من شأن مأسستها زيادة الكفاية والفعالية وتمكين المواطن الاردني وزيادة مشاركته في صناعة القرار. ولكن وبالروحية نفسها نؤكد ان الجهاز الاداري الاردني لا يجب ان ينظر لها باعتبار انها الدواء لكل داء بل انها خطوة على طريق تحقيق الاهداف الادارية المنشودة، ويجب التحذير من ان تطبيقها غير السليم قد يجلب مزيدا من الاخفاقات بدلا من الاصلاحات. اللامركزية يجب ان تصبح قيمة ادارية مرتبطة بشكل جلي بمخرجات الانتاج ومقاييس الاداء والا فإننا نكون قد سحبنا القرار من جهة ووضعناه بيد جهة اخرى قد تكون اقل كفاءة وربما شفافية.

الخطوة الاخرى المنشودة يجب ان ترتبط بحجم القطاع العام ونوعية موظفيه، فالدولة الاردنية ما تزال الموظِف الاكبر للقوى العاملة في المجتمع وهذا خطأ ولا يتماشى مع توجهاتنا الليبرالية الاقتصادية ولا يفيد معدلات نمائنا الاقتصادي. وفي النوعية فالامر ليس بالافضل حالا، فقد باتت معظم وظائف الدولة العامة ذات مردود ليس بالبعيد عن خط الفقر، ومفهوم الحوافز والمكافآت صار خاليا من المضمون تماما، والأمرّ ان مؤسساتنا العامة اصبحت "تكية" بكل ما تحمل الكلمة من معنى وهذا بالتأكيد انعكس على سويتها العامة. تقليص وتحفيز القطاع العام مهمة حساسة اجتماعيا وسياسيا ولكن يجب ان تبدأ انسجاما مع توجهات الاصلاح الاداري والاقتصادي الذي اختطه الاردن بديلا لا رجعة عنه. 

[email protected]