انتصر الأردن!

مسيرة أمس الجمعة ألقت بكافة أوراق الشارع: شعارات ضد الفساد، وضد البطء في الإصلاح، ودعوة مباشرة للحكومة كي لا تتأخر عن الشارع الذي بدا متفقا على أن الوطن يستحق حياة سياسية أفضل.

رُفع الكثير من الشعارات، والتنظيم كان بجهد كبير من رجال الأمن العام في غاية التحضر. الأردنيون حيوا الوطن وهتفوا له، وقالوا إننا مع الجيش والأمن في خندق واحد، وحريتهم هي التي تمنحهم حق توجيه النقد السياسي والتضامن مع غيرهم، فانتصروا لوطنهم، وانتصر وطنهم بهم.

الشيخ حمزة منصور تحدث بلغة وطنية قائلا: "إن ما يسر الأمن والجيش يسرنا، وما يحزنهم يحزننا". وشدد على الراوبط القوية بين الأردنيين ووطنهم. ومع أن الآخرين كانوا في ذات السقف، إلا أن للشيخ مذاقه الخاص في الحديث، تأكيدا على أن الوطن أهم من كل المطامح، وأن الأردن باب حرية وأرض رباط وقاعدة تحرير.

هنا يقول البعض إننا أمام الفرصة التي يجب أن لا تضيع. والحقيقة أننا يجب أن لا نبحث عن الفرصة بقدر ما يجب أن نبحث عن التقدم الذي ضيعناه منذ عشرين عاما، عندما بدأت الديمقراطية وطويت بسبب أو بغيره. لا بل علينا أن ننطلق ونسبق الآخرين بشوط كبير.

فالناس الذين لم يجدوا بقانون الانتخاب الحالي إلا أداة تأخر وحجر عثرة في طريق الديمقراطية، هم ذاتهم الذين هتفوا ضد الفساد وضد مجلس النواب الحالي، هم الذين قالوا: "الشعب يريد اسقاط الفساد"، وهم الذين قالوا: "عاش الأردن"، وهم الذين حيوا الأمن والجيش، وهذا لا يحدث في أي من دول الإقليم التي ترتعد كلما انتشر الناس في الشارع.

صحيح أن الأردنيين ليسوا أمة من دون الناس، لكنهم يملكون في هذا البلد حرية جعلتهم كما بدوا في مسيرة أمس موحدين متماسكين، يبغون إصلاحا ولا يريدون مغالبة، يريدون ديمقراطية ولا يريدون انتخابات مفرغة من محتواها وإرادة الناس، يريدون محاربة حقيقية للفساد ولا يريدون هيئات وهمية لمكافحته، يريدون قانون ضرائب عادلا ولا يريدون مشاريع اقتصادية في الهواء، وفوق ذلك هم متمسكون بنداء يذكرهم بأنهم أهل الكرامة، كما حياهم الشيخ حمزة منصور.

والمهم في كل ما سمعت وشاهدت أمس أن الناس يريدون الدولة الأردنية كركيزة للهوية السياسية وترميز لشعب الأردن، يريدون لحراكهم أن يطل بفجر جديد تكون فيه الأحزاب السياسية ذات دور في الحالة الأولى، وبذات الوقت يريدون لنقاباتهم أن تكون وطنية في الحالة الثانية، كما يريدون لجهاز الدولة البيروقراطي المعقلن أن يحفظ الممتلكات وأن يحافظ عليها من عبث الراغبين ببيعها وفق سياسة الانفتاح واقتصاد السوق.

والمراقب يدرك من دون تجميل للحقائق أن سر غضب الناس ينحصر في أمرين: الفساد، وتأخر الإصلاح. لذلك نجد الجميع في الشارع. هناك رغبة جامحة لرؤية فاسد واحد يحكم ويعيش مثلما يعيش أي سجين، هناك حسرة كبيرة على مشاريع أجهضها الفاسدون لأنهم رغبوا بمنافع من ورائها.

اضافة اعلان

على العموم، ستفرز الحالة الراهنة جيلا جديدا، وإذا بقي انسداد باب الإصلاح مستمرا ستبرز معضلة كبيرة للنسق السياسي. لكن الجميع مجمع على أن الأردن يستحق حياة سياسية أفضل، وأنه يمكن أن يكون مختلفا عن غيره لو استثمر انسجام الشارع المجمع على الدولة كهوية سياسية وعلى نظام الحكم.

[email protected]