انسوا الأمر.. فرق جداً بسيط!

  قامت الدنيا ولم تقعد في الولايات المتحدة الأميركية، ومن ورائها العالم بأسره، بعد تقرير الكونغرس عن انتهاكات جهاز الاستخبارات الأميركية (CIA) للمعتقلين على خلفية قضايا الإرهاب خلال التعذيب، عبر استخدام وسائل ضغط وإكراه للحصول على الاعترافات، والأهم من هذا ما اعتبره التقرير "كذب" الوكالة في ادعائها سابقاً بعدم استخدام أساليب تعذيب خطرة، كما هي الحال في سجن أبو غريب في العراق!اضافة اعلان
 بالأمس صدّرت افتتاحية نيويورك تايمز ومقالاتها والواشنطن بوست، وغيرهما، عن الموضوع الذي أثار جدلاً ونقاشاً قانونياً وسياسياً وأخلاقياً واسعاً، وتشريحاً لكل أسلوب من أساليب التعذيب المتبعة، وتحديد قائمة المسؤولين عن إقرار هذا القانون، مع مطالبات بمحاكمتهم على هذه الانتهاكات والكذب على الكونغرس الأميركي سابقاً.
 وبالرغم من تحذيرات المسؤولين الأميركيين وغضب قادة الاستخبارات من نشر التقرير، مما قد يولده من ردود فعل عنيفة، وهو ما ستستثمره (وفقاً لمنتقدي التقرير) القاعدة والدولة الإسلامية في التجنيد والدعاية ضد الولايات المتحدة؛ إلاّ أنّ الصوت الغالب على الإعلام الأميركي والكتّاب هناك هو تأييد نشر التقرير لتكريس وتعزيز مبدأ "الشفافية" والمساءلة في تقاليد النظام الديمقراطي، كما يشير ديفيد أغناتيوس على سبيل المثال!
 الشفافية والمساءلة كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في ميزان الشعوب والمجتمعات الديمقراطية التي تحترم نفسها، ليس لهما أي طعم حقيقي في بلادنا؛ تصوّروا لو أنّ تقريراً بهذا الحجم من النقد والخطورة صدر عن برلمانٍ عربي يتحدث عن تعذيب معتقلين وسجناء يعتبرون أعداء، كم سينال هذه اللجنة النيابية من اتهامات وإساءات، بعد أن تأخذ قسطاً وافراً من التخوين!
قارنوا فقط بين هذا التقرير والتقارير المخجلة، التي صدرت في مصر مؤخراً عن مذبحتي رابعة العدوية والنهضة، في حين أنّ تقارير النهضة وعدوية تتحدث عن مواطنين مصريين، وليس عن أعداء من الخارج!
الكاتبة روث ماركوس كتبت في الواشنطن بوست بأنّه "لا يوجد أحد يمكن أن يقرأ التقرير إلاّ ويشعر بالرعب والخجل". دعيني أختلف معك تماماً في ذلك!
 ففي العالم الثالث هنالك من يضحك عندما يقرأ هذا التقرير، وهو يقول: ماذا سيقولون لو اطّلعوا على ما نقوم به نحن هنا؟! "أيّ غباءٍ أميركي هذا؛ وهل هؤلاء "الإرهابيون" لهم حقوق إنسانية؟! وكيف سننتزع الاعترافات؟! ولماذا إذاً ترسل المخابرات الأميركية من يريدون الوصول إلى اعترافاته إلى سجوننا طالما أنّهم يخجلون من بعض أساليب التعذيب؟!
لا أعلم ماذا سيقول المحققون في أقبية السجون السورية والمصرية والعراقية وبلاد العرب أوطاني؟! بماذا يشعرون تجاه هذا التقرير؟! فأميركا التي تشنّ الحروب وتقتل المدنيين وتدافع عن مصالحها بالطائرات والصواريخ والبوارج الحربية في أنحاء العالم تقف إدارتها مكبّلة خجولة من تقرير في الكونغرس ينتقد أساليب التعذيب التي لم تراع القوانين الأميركية ويفضح الكذب الذي تمت ممارسته على الكونغرس سابقاً!
أعلم تماماً أنّ بعض المتذاكين السياسيين سيفسّر ما حدث على "الطريقة العربية" بأنّه صراع بين الديمقراطيين والجمهوريين، وأنّ اللجنة ذات لون ديمقراطي، وأرادت إدانة عهد المحافظين الجدد؟! وربما ذلك فيه شيء من الصحة، لكن السبب الجوهري الأكثر أهمية من هذا وذاك أيها السادة أنّه تقرير يعكس الإيمان الحقيقي بمؤسسة البرلمان وحق الرأي العام بالمعرفة وباحترام القوانين، وحماية مبدأ الشفافية والمساءلة ورفض الكذب والخداع في هذا المجال.
على كلّ لا تتعبوا أنفسكم في قراءة التقرير، فهو فرق جداً بسيط، وهي تفاصيل غير مهمة  في سياق المعارك التي تخوضها الأنظمة العربية اليوم، وتحقق فيها انتصارات مشهودة!