"انشا الله يُوصَلْ سلامي"!

ظنَّ الصبي أنه سيُلاقي جدَّه في المكان الجديد الذي "سافر" اليه قبل العيد، وقفَ أمام أسرَّة رخامية بيضاء متخيرا أطراها ليجس جسد جده الذي نخرته الابر، لكز بيده ما ظنه شرشفا صلبا يتدثر به الجدُّ، ولما استعصى على كفه الصغيرة سأل اباه وكان يريد جوابا اكثر دقة من أن جده "سافر"، لأنه سيرد على الجواب بآخر، مستغربا: "كمانْ مرة"!

اضافة اعلان

سيعرف عما قريب أن المكان الذي ذهب إليه "مقبرة"؛ أو بيت فسيح لكل من انتهت مدة إقامتهم في الحياة، ولن ينشغل كثيرا بأمرهم؛ فأبوه سيعفيه بعد سنوات قليلة من عبء ثقيل بحمل "المعمول البيتوتي"، من دون السكر المطحون الذي لن يغير من طعم الموت، و"تضييف" الموتى الاحياء الذين يأتون إلى المقبرة، أملا برزق موسمي في الاعياد النادرة، أو اقتناص لحظة الفقد حين تشتد القبضة على القلب، وترتخي عن الجيوب!

سيكبرُ الذي لم يعد صبيا، وكذلك أبوه، ولا يعود يقلق لأمر "الموتى" في بيتهم المقتطع من ارض دنيوية، فيما هم من المفترض أنهم في دنيا سمائية. ولن تشغل باله، كثيرا، السجالات التي تحاول تحديد مسار سفر الموتى، وسينتهي تفكيره البسيط الى حل وسط: أنهم غادروا المقابر ايضا ولا داعي لزيارة رخام أجوف!

لكنه لسنوات طويلة سينشغل بأمر أشد التباسا؛ عندما يسمع موالا عراقيا شجيا، يقول إن الميت "يعرف من يبجيله (يبكيه)". يحسم الجدل غير المعلن في رأسه الى أن ثمة حبلا سريا بين الموتى، ومن يناغشون خاصرة الحياة، لكنه يظل متشككا إن كان بإمكاننا، نحن الأحياء بالدنيا وما هو أدنى منها، أن نرسل الرسائل إلى الموتى، مع موتى يتهيأون للحياة الأخرى، في محطاتها المجهولة... عندما يكبر أكثر يكون أبوه قد "سافر" على مضض، وتهيأ مطولا للرحيل، لكنه لم يُحمِّله أي رسالة الى جده، لم يكن في باله أن يرسل حتى سلاما شفهيا؛ فالفكرة عبثية. سنوات ويشتاق لأبيه، ويتأكد ان من يذهب في عمر الخمسين يكون قد "استعجل الرحيل"، وإن عرف الموت على مراحل. يود لو أن أحدا يبلغ أباه سلاما ولو تلويحة بالكف.

يذهب كثير من الذين يحبهم، حتى يجد نفسه كالسيف فردا، لكنه لا يطمئن الى أن سلامه قد وصل أباه، ولا يكف عن المحاولة. وهذا الأسبوع توفيت "علياء" في يوم سبت، في الثالثة فجرا، في الرابعة والخمسين، متمِّمة كل مواعيدها للحاق بـ "علي".

و"علياء" جاءت إلى الدنيا بعد "علي" بست سنوات، وإمعانا في إخلاصها لشقيق انتظرها حتى أتقن الحياة ورواها لها، ذهبت إليه في حياته الأخرى بعد ست سنوات بذات "المرض الخبيث" لتروي له ما فاته من الحياة!

.. ظن الصبي؛ الذي كبر كثيرا، أن بإمكانه إرسال سلام، ولو شفهي إلى والده الذي جعله يحمل عبء "المعمول البيتوتي" الى الأسرَّة الرخامية الباردة، وأن "علياء" التي التحفت شرشفا أبيض، أنسب من يبلغه السلام، وإن بقي متشككا، ويغني كما لو كان يُرتَّل: "انشا الله يوصل سلامي"! ولن يصل...، جده كذلك لم يعرف من بكاه، فالأمر لا يعدو هذيان مغن عراقي، ولن يسمع "علي" حكاية واحدة من التي حفظتها "علياء" غيبا ست سنوات لترد له الدين...؛ علَّ الذي ما عاد صبيا يقتنع ان دوره قد تطور إلى أن يحمل صبيا جديدا "المعمول البيتوتي"؛ وان يحضر جوابا أبلغ حين يسأله ولده عن جده... لأن الصبيَّ الجديد لن يقتنع أنه "سافر"، وسيُردُّ على الجواب بآخر، حين يستعصي الشرشف الصلب على كفه الصغيرة، مستغربا: "كمانْ مرة"!

[email protected]