باريس!

من العاصمة الفرنسية باريس اختار نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام ان يوجه النقد للنظام السوري والاتهامات المباشرة وغير المباشرة لهذا النظام بالوقوف وراء ما يحدث في لبنان. والاهم ان حديثه قدم مساندة لموقف القوى اللبنانية التي ترى في الوجود السوري احتلالاً لبلادهم، وعبثاً بمقدراته واستقراره.

اضافة اعلان

وحين يختار خدام باريس فلأنه قرر ان لا يعود الى بلاده! ومن الناحية السياسية فإن الفرق ضئيل بين خدام رجل النظام السوري وابو النصر البيانوني المراقب العام للاخوان السوريين، فكلاهما يبحث عن الحرية في عواصم اوروبا ولا فرق بين باريس ولندن.

العاصمة الفرنسية لجأ اليها العديد من زعماء لبنان خوفاً من الاغتيالات ومنهم سعد الحريري، وحتى جبران تويني فقد واجه الموت عندما ترك باريس وعاد الى بيروت. وباريس كانت ايضاً ملاذاً لاية الله الخميني عندما كان معارضاً لنظام الشاه، ومنها عاد الى طهران ليقيم نظامه الذي اتخذ من اميركا عدواً لكنه قدم لها عبر حلفائه واتباعه كل اسباب الشرعية عندما احتلت العراق المتاخم لإيران. وفي باريس ايضاً معارضون لنظام جمهورية ايران.

وفي باريس مات رئيس السلطة الفلسطينية عرفات، وفي داخل اسوار المستشفى العسكري هناك يغيب سر موته واسبابه. ولم تفلح كل المحاولات الجادة او الاستعراضية لتحديد اسباب الموت، فبقيت سراً من اسرار باريس لكنها محرمة على الشعب الفلسطيني وربما على رفاق عرفات.

وفي باريس ملايين العرب والمسلمين المهاجرين من بلادهم بحثاً عن لقمة الخبز وربما الحرية، رغم ظلم العلمانية الفرنسية بحرمان المسلمات حق تغطية الرأس مع اباحة حق كشف كل الجسم. ورغم ذلك الا ان هذه الجاليات لها حقوق في فرنسا اكبر مما هو في بلادها بما فيها حق التظاهر الذي يسمى في بعض عواصمنا تآمرا على امن واستقرار الاوطان.

باريس وغيرها من عواصم بلاد الغرب يهرب اليها المعارضون واصحاب السلطة بحثاً عن الحرية والأمن عندما يريدون قول ما لا يستطيعون في بلادهم. لو كانت مسيرة عبد الحليم خدام الطويلة مع نظام الحزب في دمشق سليمة لما احتاج الى الهجرة الى فرنسا حتى يتحدث بارتياح عن مواقفه الناقدة، ويكشف المعلومات الهامة عما جرى للحريري وغيره. ولو ادى خدام ومن انتحروا من رفاقه ما عليهم لما كانت باريس ملاذاً لهم للحديث، او لغيرهم للهروب من احتمالات الموت.

ما قاله خدام يكشف الحق الذي أُهدِر على الشعب اللبناني. فأي شعب مهما كان عروبياً فإنه لا يقبل ان يحكمه ضابط امن من دولة شقيقة، ولا يقبل ان تكون قيادته السياسية تحت وطأة الاهانة والشتائم والتهديدات من اي نظام حتى لو كان يستمر تحت شعارات الاخوة ومعركة التحرير.

واذا كان خدام لا يملك الأمن على نفسه حين اراد الاعتراف ببعض الحقيقة، فكيف بالمواطن العادي او عشرات الآلاف الذين يعيشون في المنفى بمن فيهم اجيال ولدت وعاشت خارج بلادها. كيف بهؤلاء ان يحصلوا على حقوقهم في الأمن على ارضهم!

خدام يقول انه نصح رفيق الحريري بمغادرة بلاده للحفاظ على حياته، وها هو يغادر سورية لذات السبب، بعد ان تحدث. لكن كيف تحفظ الملايين من عامة الناس حياتها اذا ارادت ان تقول قناعاتها او تطالب بحقوقها او حتى ان تنتقد حكام كرة القدم وليس حكام السياسة!

التجديد داخل النظام السوري خيار ربما ما زال مطروحاً للحفاظ على ايجابياته الاقليمية، وما صنعه من هدوء وامن في العلاقة مع اسرائيل. وربما تكون باريس احدى المحاولات وليست واشنطن التي جاءت ببدلاء لم يكونوا الا تكراراً للنظم السابقة بكل أمراضها ومفرداتها السلبية.

[email protected]