بحثا عن الذهب

دعوني أسبح ضد التيار بالإجابة عن الأسئلة التالية:
هل كان ثمة ذهب في عجلون؟ لا؛ لم يكن هناك ذهب، ولا كنز، ولا شيء من ذلك.
هل الرواية الرسمية الأخيرة بشأن الموضوع صحيحة؟ نعم؛ صحيحة تماما.اضافة اعلان
وماذا عن التصريحات السابقة؟! السلطات لم تكن تريد إفشاء السر المحرج؛ فتم تقديم روايتين ضعيفتين في البداية، ثم اقترب وزير الداخلية من الحقيقة بالقول إنه موضوع أمني، وفي النهاية، أمام موجة الهوس العام واستحالة تقديم رواية مقنعة، اضطرت الجهات الرسمية، على مضض، إلى إبلاغ الناس بالحقيقة الدقيقة.
هل ثمة ما يدين الدولة بوجود أجهزة التجسس هذه؟ لا، ليس هناك ما يدينها؛ فالجميع يعرف الفارق التكنولوجي الهائل بيننا وبين العدو. كما نتذكر حالة الفلتان التي كانت سائدة في العام 1969، إذ لم تكن الدولة تسيطر على الأرض خارج المدن وحتى داخل المدن. لكن بالطبع، وجود هذه الأجهزة يقول لنا كل شيء عن المواجهة مع العدو، وموازين القوى وقدرات كل طرف.
وماذا عن إبرام سلام من دون النص في المعاهدة على إزالة هذه الأجهزة؟! وهل كان المفاوضون يفكرون في وجودها أصلا حتى يطلبوا تثبيت نص لإزالتها؟! أما من حيث المبدأ العام للتجسس، فهو ليس أمرا مقبولا أو مسموحا بين دول صديقة أوحتى متحالفة، لكي ينص عليه في المعاهدة. وعلى كل حال، فليس مرجحا أن الأجهزة كانت ما تزال صالحة وتعمل بعد كل هذا الوقت. ومع نهاية التسعينيات، فإن وسائل الاتصال نفسها التي يتم التجسس عليها خارج الزمن وخارج الاستخدام. وهذا لا يعني أننا لم نعد تحت الرقابة؛ فإسرائيل تملك التفوق الكافي لتسخير أحدث وسائل الاتصال للتجسس، وقد تم اكتشاف أنها كانت مثلا على قمة هرم شبكة الاتصالات الخاصة بحزب الله.
هل يسجل على الحكومة سوء إدارتها للملف؟ لا؛ ليس هناك شيء مختلف كثيرا كان يمكن أن تفعله الحكومة، فأي رواية غير الحقيقة كانت ستفشل في إقناع الرأي العام. إنما الغلطة الكبيرة هي اعتراف رئيس الوزراء أنه لم يكن يعلم. فما كان جائزا الاعتراف بذلك، حتى لو حصل. إذ إن الرئيس هو صاحب الولاية العامة، وليس هناك أمور يجوز أخفاؤها عنه. ونفهم، بالطبع، أنه لا حاجة لإحاطة الرئيس علما بكل تفصيل يحدث في البلد، لكن هذا ليس تفصيلا، بل واقعة مفصلية حسّاسة.
بهذه الحدود أو بغيرها، وباعتبار وقائع وملاحظات أخرى على الحكومة، هل يبدو وكأن الأمور نضجت لترحيلها؟ لم تحدث وقائع من النوع الذي يمكن أن نفكر معه أن حكومة أخرى كانت ستعالجها بطريقة مختلفة أو أفضل. والحق أن التساؤل الأكبر والأخطر هو عن أداء الناس! إنه صادم لجهة هذه الانسياق غير المعقول وراء الترهات؛ إذ كنت تسمع روايات خيالية مفصلة حول نوع الكنوز التي وجدت وكمياتها وطريقة إخراجها، يتم تداولها كوقائع. وإن المرء ليحزن على هذا الانزلاق غير المعقول وراء الخرافة عن كنز "هرقل".
إذن، لا ذهب في ذلك المكان أو غيره؟! بلى، الذهب موجود في كل مكان تحت أقدامنا وبين أيدينا! لكننا لا نريد رؤيته ولا معرفته؛ إنه العمل! العمل صانع الثروات. العمل في الأرض، وفي المكاتب، وفي المصانع. العمل هو الذي ينتج الثروة، وحتى ذهب "اللقايا" الذي نبحث عنه؛ فهو بالأساس ثروة نتجت عن العمل، لكنه ليس عملنا ولا حق لنا فيه.