"بكفي استهتار"!

قد نفهم تعيين مهندس عضواً في مجلس إدارة شركة كهرباء؛ فهي بحاجة إلى تخطيط و"عواميد". وقد نفهم تعيين راصد جوي في مجلس إدارة هكذا شركة؛ فهي بحاجة إلى معرفة أحوال الطقس وسرعة الرياح. كما قد نفهم تعيين إمام جامع في مجلس إدارتها؛ فهي بحاجة لمن يفتي بحرمة سرقة الكهرباء.اضافة اعلان
لكن حين يختار مجلس إدارة مؤسسة الضمان الاجتماعي "طبيبا" ليكون عضوا في مجلس إدارة "الكهرباء"، فإننا لا ندري كيف ستتم الاستفادة من فحوصاته؛ نقصد خبراته، لتطوير العمل. إذ من المستحيل أن تكون لديه نصائح في اجتماعات المجلس حتى لا تصاب "العواميد" بسبب الوقوف بـ"الدسك"؛ ومن المستحيل إن انقطعت الكهرباء، أن يشخص الحالة على أنها من أعراض الحمل؛ ومن المستحيل إن زاد ضغط الكهرباء أن يصرف لعامود الضغط  العالي دواء وأن يمنعه من تناول الموالح!
للعلم، عدد الشركات التي تدير قطاع الكهرباء أكثر من عدد الأندية التي تلعب كرة القدم؛ شركة الكهرباء الوطنية، شركة توليد الكهرباء المركزية، شركة السمرا لتوليد الكهرباء، شركة الكهرباء الأردنية، شركة توزيع الكهرباء الأردنية، شركة كهرباء إربد... ولذلك، فإن عدد أعضاء مجالس إدارة تلك الشركات أكثر من عدد "كهربجية" المنازل والسيارات في الأردن!
ولا أدري ما الهدف من هذا التفريخ وزيادة النفقات؛ فالشراء له شركة، والتوزيع له شركة، والتوليد له شركة... ولم يبق إلا تأسيس شركة لـ"حنّاء" الكهرباء!
حين انقطع الغاز المصري، صمتت كل تلك الشركات ومجالس إدارتها ووقفت موقف المتفرج، فلم نسمع منها اقتراحا أو بديلا جاهزا لتجاوز الأزمة، بل كان الحل الوحيد هو رفع أسعار الكهرباء على المواطنين؛ فما الحاجة إذن لمجالس الإدارة من أطباء وأساتذة علم اجتماع وفنون مسرحية، طالما أن توليد الكهرباء وتوصيلها يقوم بهما فنيون مختصون!
بالطبع، من حق أي مواطن أن يخدم بلده، ولا يعيبه أن يكون قريبا لأي مسؤول. لكن، لماذا دائما لا تكتشف إدارة "الضمان الاجتماعي" هؤلاء الأكفاء من أقارب المسؤول إلا بعد تعيين المسؤول؟!
فالآن، اكتشفت أن هذا الطبيب هو من يصلح لأن يمثلها في مجلس إدارة "الكهرباء"، مع أن الرجل له سيرة طويلة في العمل العام؛ فلماذا "ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة" طوال كل تلك السنوات، والآن "حصحص الحق"، ورأت المؤسسة أنه الرجل المناسب في المكان المناسب، فقط بعد أن أصبح صهرا لولي الأمر؟!
اليوم، هناك سبعة ملايين أردني، لن يتم اختيار عضو من بينهم في مجلس إدارة، وستنتظرون ليكون صهرا أو ابنا أو جارا لولي الأمر القادم، فتبررون القرار بالكفاءة والإخلاص والانتماء. فهل هو اليوم من الكفار والمرتدين، وحين يصبح قريبه وليا للأمر  يصبح من أهل الله فيتم تعيينه فورا؟!
كلما تقدمنا خطوة إلى الأمام في معايير النزاهة والشفافية ومحاربة المحسوبية، أعادتنا مثل تلك التعيينات إلى زمن الجاهلية الأولى؛ حين كان زعماء القبائل وأقاربهم وأنسباؤهم هم من يفوزون بالغنائم. وما تبدل هو فقط أن الغنائم لم تعد بضعة جمال وماعز، بل أصبحت بضعة مجالس ومكافات!
كفانا استهتارا وتحطيما لمعايير النزاهة والشفافية والعدالة الاجتماعية! هناك شهداء، وهناك جنود على خطوط النار، وهناك نماذج وطنية تعمل بكل إخلاص، فلا تطلبوا منهم أن تبقى المعنويات عالية، وعلى الجهة المقابلة التنفيعات ما تزال باقية!