"بلاء السيسي"

قبل أن أشرع في بسط وجهة نظري حيال الانتخابات الرئاسية المصرية، التي كنت من بين ملايين المحتفين بها، وقع على مسامعي التعبير أعلاه "بلاء السيسي"، فرحت أستقصي معنى البلاء قبل أن أدخل إلى موضوعي، لعلي أجد تعريفاً أكثر دقة وشمولية من المعنى الذي اختزنه في الذاكرة. وقد عثرت على عدد من المترادفات اللغوية لمفردة البلاء هذه؛ مثل المصيبة والكرب والمكروه، وغيرها من الكلمات الدالة على ذات المفهوم.اضافة اعلان
وفي سبيلي إلى الاستزادة أكثر من علم اللسانيات، وجدت أن الصبر هو العلاج الوحيد لمن يقع عليه البلاء؛ سواء كان بلاء في الجسد أو المال أو الأهل. إذ عدت إلى الآية الكريمة "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ"؛ فوجدت أنها أكثر بلاغة من كل قول في معرض الشرح والتأويل لمفهوم البلاء الباعث على الوجوم.
والحق أن صاحب هذا العنوان المثير هو خطيب مسجد جامعة طهران، الذي تذاع خطبته على التلفزيون ظهر كل يوم جمعة. إذ وصف هذا الخطيب ما جرى في الانتخابات الرئاسية المصرية (وكان ذلك في معرض تحذير الإيرانيين من مغبة استعادة زخم ثورتهم الخضراء) على أنه البلاء بعينه، وطابق بين الشر المستطير وبين الفائز في هذه الانتخابات؛ فكان بذلك أشد قدحاً وذماً، وأكثر تطيراً، من كل ما فاضت به تصريحات قادة الإخوان المسلمين ومريديهم ضد هذا اليوم المصري الكبير.
وهكذا، تيسّر لي استهلال مناسب للتعليق على هذه الانتخابات التي ستظل نتائجها محل جدل بين سائر المخاطبين بها في العالم العربي لمدة شهر على أكثر تقدير، قبل أن تختفي تدريجياً من سوق الكلام، وتحل محلها الحقائق النهائية، المؤسسة لمرحلة جديد في الحياة السياسية لملايين المصريين الذين رأوا في وزير الدفاع السابق زعيماً تعقد عليه الرهانات لعبور جبل من المصاعب المتراكمة على طريق الخلاص، واستعادة الدور القومي الذي تربعت عليه القاهرة زمن جمال عبدالناصر.
ولعل من بين أهم هذه الحقائق النهائية، أن عبدالفتاح السيسي لم يعد ذلك المشير، بدءاً من اليوم، بل صار هو الرئيس المنتخب بنزاهة وشفافية، صادق عليهما مراقبو الانتخابات الرئاسية، من أوروبيين وأفارقة وعرب، وحقوقيين مصريين، أحسب أن أحكامهم أثقل وزناً من كل تشكيك في الأرقام والنسب، ناهيك عن مزاعم اختفاء الطوابير، وقلة المصوتين الشباب، وغير ذلك مما تلهج به ألسنة المصدومين بفقدان عرش مصر.
وإذا كان للمرء أن يبدي ملاحظات جدية حول مجريات هذه العملية الانتخابية، التي بدت محسومة قبل أن تبدأ، فهي إما متعلقة بتمديد العملية ليوم إضافي زائد عن الحاجة، أو متصلة بنسبة الفوز التي تتجاوز التسعين بالمائة؛ لما تثيره هذه النسبة من ذكريات موجعة عن الانتخابات التي كانت تجرى في زمان ما قبل "الربيع العربي"، حتى وإن كانت الأوراق التي ملأت الصناديق هذه المرة لا تشوبها شائبة تزوير، ولم تأت بفضل شراء أصوات الفقراء والأميين بالمال وتقديمات السكر والزيت.
وقد تكون أشد الملاحظات السلبية المتعلقة بهذه الانتخابات، التي جرى فرز أوراق صناديقها أمام العدسات وعبر البث المباشر لعشرات من محطات التلفزيون، هي تلك المتعلقة بسقطة إعلام مصري انفعالي، خرج بعض نجومه عن أطوارهم، في معرض الهلع من وهم قلة عدد المصوتين. وهو أمر لم يتبينوا مدى خطله، إلا بعد أن ظهرت النتائج النهائية غير الرسمية بخمسة وعشرين مليون صوت، جبّت حقيقتها كل تلك الانطباعات الزائفة عن العزوف واللامبالاة.
وعودة على بدء، فإذا كانت إيران ترى البلاء بعينه في فوز عبدالفتاح السيسي، وترى في المقابل أن فوز بشار الأسد في انتخاباته الصورية دليلاً موكداً على مدى شعبية قاتل شعبه، فإن لنا أن نطمئن تماماً لصحة انحيازنا إلى خيار المصريين الذين يواصلون عبور نفقهم الطويل بدأب، وينتقلون بقيادتهم من فضاء الشرعية الشعبية إلى بيت الشرعية الدستورية. كما لنا أن نتأكد، في المقابل، من أن كل ما صدر من أحكام قطعية مسبقة بحق انتخابات الأسد، أو قل مهزلته المبكية المضحكة، كانت أحكاماً عادلة وصحيحة.