بمناسبة الضربة الجوية الثانية

للمرة الثانية، تدخلت طائرات سلاح الجو الأردني لقصف عربات حاولت اجتياز الحدود الأردنية مع سورية. عندما حصل هذا الأمر أول مرة، قبل شهر تقريبا، عّده المراقبون تطورا نوعيا في الوسائل العسكرية المتبعة لحماية الحدود من مخاطر تسلل المقاتلين والمهربين للأسلحة والمخدرات وسواها من الممنوعات. وذُكر في حينه أنه كان بإمكان قوات حرس الحدود تدمير الآليات بقوة النيران الأرضية، من دون الحاجة إلى استخدام الطائرات، لكن الجيش تقصّد استخدامها كرسالة يؤكد من خلالها استعداده للجوء لكل وسائل القوة المتاحة لردع محاولات اختراق الحدود الأردنية.اضافة اعلان
إذا كان هذا التفسير دقيقا -والموضوع هنا متروك للخبراء العسكريين- فإن اللجوء إلى سلاح الجو مرة ثانية لتحقيق أهداف في متناول قوات حرس الحدود، يطرح سؤالا سياسيا -وهذا ما يعنينا- حول النتائج المترتبة على رفع مستوى القوة على الجبهة الشمالية.
لقد تركت الضربة الثانية لسلاح الجو الانطباع بأن دائرة العمليات العسكرية اتسعت لتشمل الحدود الأردنية، وأننا بالفعل إزاء جبهة شمالية بكل ما للكلمة من معنى عسكري.
المحللون الأجانب على وجه التحديد، سيمسكون بهذا التطور للقول إن الأردن دخل فعلا أجواء الحرب الدائرة في سورية، وأن ما كان يقال عن احتمال انتقال الصراع إلى دول الجوار أصبح أمرا واقعا؛ بدليل دخول طائرات سلاح الجو على خط المجابهة.
ما من أحد في الأردن يخشى المواجهة بكل أنواع الأسلحة إذا اقتضت الضرورة ذلك. والثقة بقدرة الجيش العربي على القيام بواجبه في الدفاع عن الوطن، لا حدود لها. لكن قبل الوصول إلى هذا الخيار، فإن مصلحة الأردن هي خفض مستوى التوتر على الحدود قدر الإمكان، والحرص على استخدام أدنى قدر من القوة لتحقيق الأهداف ومن دون إفراط.
الاستقرار هو العنصر الحاسم في خطة ترويج الأردن كمقصد استثماري وسياحي، وسط إقليم يعج بالقتل والدمار. وعمان، ونحن على أبواب الصيف، مرشحة لأن تكون خلية نحل للعرب والأجانب الذين يتوافدون إليها، بعدما سُدّت في وجوههم مدن وعواصم المنطقة.
لقد عانى الأردن كثيرا من الأزمة السورية؛ خسائر اقتصادية ثقيلة، ومخاطر أمنية كبيرة، وقبل هذا وذاك معاناة مع مئات الآلاف من اللاجئين السوريين
 الذين تدفقوا إلى أراضيه، وما يزالون ينزحون بالمئات يوميا.
نال الأردن جراء هذه الظروف تعاطف العالم، وكسب احترامه بوصفه بلدا يوفر، ورغم ظروفه الاقتصادية، ملاذا آمنا للفارين من الموت والدمار. لكن عند هذا الحد يمكن إدارة المخاطر على النحو الذي يؤمن الحد الأدنى من الاستقرار والجاذبية لما يعد نموذجا في المنطقة. أكثر من ذلك، سيغدو صعبا الاحتفاظ بالانطباعات الإيجابية؛ فعندما تلوح الطائرات المقاتلة في السماء لتقصف كل يوم، ستنقلب الصورة حتما، وتسود القناعة بأن دولة جديدة من دول الجوار السوري قد التحقت بركب الإقليم المضطرب.
الانطباعات أهم في هذا الشأن من الحقائق، ويصعب تغييرها.