بمناسبة "عرس" الديمقراطية الإيرانية

لن يكون مستغرباً أن يخرج علينا أتباع إيران "العرب" ليعيّرونا بالديمقراطية الإيرانية التي أطاحت في انتخاباتها البرلمانية الأخيرة بالمحافظين؛ برغم أن المنطق يفرض على هؤلاء العكس تماماً.اضافة اعلان
إذ بغض النظر عن كل المآخذ التي يمكن أن تورد على الديمقراطية الإيرانية؛ بدءاً من حقيقة ومدى احترام حقوق الإنسان، وصولاً إلى التحكم بالمرشحين "المؤهلين" لخوض كل انتخابات، فإنه يظل صحيحاً تماماً أن إيران لم تورّث منصب المرشد الأعلى لنسل قائد ثورتها الخميني. كما أنها عرفت، منذ الإطاحة بالشاه، أكثر من رئيس، فلم يكن لأحد منهم البقاء "إلى الأبد". لكن في مقابل هذه "الإيجابيات"، تدعم إيران في سورية وارث "جمهورية"، تسلم الرئاسة بعد حكم أبيه "مدى الحياة". تماماً كما تدعم في اليمن علي عبدالله صالح، الحانق حد تدمير اليمن، لأنه أزيح عن رأس السلطة قبل وفاته، وفوق ذلك حرمان ابنه من وراثة "الجمهورية" اليمنية.
لكن هذه أحدث، ولربما أخف، تناقضات العرب التابعين لإيران. فمن ينسى أنه عندما كان التعامل العربي مع "المنطقة الخضراء" العراقية عقب الغزو الأميركي، خيانة ما بعدها خيانة؛ كان التعامل الإيراني مع القادمين على الدبابة الأميركية "مقاومة وممانعة"؟! ومثل ذلك تهمة العمالة الجاهزة للعرب في علاقاتهم مع الغرب عموماً، لكنها تغدو علاقات تنم عن ذكاء وعبقرية إن كان إيرانية، لا يستثنى من ذلك التعاون والتنسيق مع "الشيطان الأكبر" أميركا.
غير أن الأهم من كل ما سبق، هو نتائج الانتخابات البرلمانية الإيرانية ذاتها. إذ تؤكد هذه النتائج "الأولية" تصويت أغلبية الإيرانيين لفريق الرئيس حسن روحاني؛ الساعي إلى الانفتاح على الغرب بما في ذلك الولايات المتحدة. ومن الضروري هنا التذكير بحقيقة تحاشي روحاني، منذ توليه الرئاسة، أي حديث عما يسمى "المقاومة والممانعة"، كما أنه لم ينتقد إسرائيل إلا في معرض دفاعه عن البرنامج النووي الإيراني، لا في معرض اعتراضه على تنكيلها بالفلسطينيين.
باختصار، فإن أغلبية الشعب الإيراني، كما تكشف الديمقراطية الإيرانية، لم تعد تبالي، هذا إن لم تكن تعارض بشكل قاطع، مثل هذه التوجهات، التي أثبت الواقع أنها محض شعارات جوفاء. وبالنتيجة، فلا يُعقل الآن، إن كان يُعقل أصلاً، تبرير ذبح العراقيين والسوريين وسواهم من العرب على يد الحرس الثوري الإيراني والمليشيات الطائفية متعددة الجنسيات التابعة له، بدعوى أنه بهذه الجرائم تكون "المقاومة والممانعة"، وتتضح الطريق "الخفية" إلى تحرير فلسطين.
رغم ذلك، فإن التحولات الإيرانية الجلية تماماً ونراقبها بأم أعيننا اليوم، يظل لها فائدة فعلية عظيمة، إن أردنا ذلك، وهي العودة إلى سؤال: أين هو موقعنا نحن وما هو وزننا، إقليمياً ودولياً؟ إذ ليست معركتنا كشعوب عربية الاختيار بشكل مبدئي، ناهيك عن الاختيار من باب النكاية القاتلة، بين أن نكون إيرانيين أو أتراكا، أميركيين أو روساً، فليس يقدم أو يؤخر شيئاً صعود إيران مقابل تركيا أو روسيا مقابل أميركا، أو العكس؛ إلا بقدر ما يخدم هذا صعودنا نحن، بعكس ما يجري حالياً من استخدام لنا وصولا دائماً إلى نقيض الهدف المعلن، المزعوم أو المأمول.