بمن يأتينا الربيع العربي؟!

ظلّ التخويف من النتائج يشهر في وجه كل مطالَبة بانتخابات حرّة ونزيهة، بادّعاء أن صناديق الاقتراع ستسلم السلطة للإسلاميين. وكانت التجربة الأولى للربيع العربي في تونس، حيث اتجهت الأنظار ترقب بفضول شديد نتائج أول انتخابات ديمقراطية حقيقية بمشاركة كل قوى المجتمع بما في ذلك الإسلاميون.اضافة اعلان
وسائل الإعلام أعطت النتائج الأولية سريعا: حزب النهضة الإسلامي يتجه لتحقيق فوز كاسح. وبعد ساعات من الفرز، ظهر أن الحزب حصل على 40 % تقريبا من المقاعد. وعلى مدار اليوم التالي كانت تقدم النتيجة الرئيسية والوحيدة، وهي حصول حزب النهضة على 90 مقعدا (ثم في النتائج النهائية ثبت على 89 مقعدا) على مسافة بعيدة من الحزب التالي الذي حصل على 30 مقعدا، إلى جانب مفاجأة حصول  قائمة مغمورة من بقايا الحزب الدستوري على 19 مقعدا.
خاب أملي وأنا أتابع "الجزيرة" على وجه الخصوص طوال اليوم التالي بالحصول على معلومة مهنية متكاملة عن خريطة المجلس التأسيسي، فالمجلس يتكون من 217 مقعدا، أي إن هناك 60 % لغير الإسلاميين، فمن هم هؤلاء؟!
حسنا. مقابل حقيقة أن إسلاميي النهضة حصلوا على 89 مقعدا، هناك حقيقة جرى تغييبها، وهي أن قوى اليسار –من اليسار الوسطي والوطني والليبرالي إلى اليسار الثوري- حصلت على 81 مقعدا! وكانت موزعة كالتالي: المؤتمر من أجل الجمهورية (يسار قومي) 30 مقعدا، التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات 21 مقعدا، الحزب الديمقراطي التقدمي 17 مقعدا، القطب الديمقراطي الحداثي 5 مقاعد، البديل الثوري 3 مقاعد، حركة الوطنيين الديمقراطيين 2 مقعد، النضال التقدمي 1 مقعد، الديمقراطي الاجتماعي 1 مقعد، حركة الشعب الوحدوية التقدمية 1 مقعد. وهناك ما يزيد على 15 مقعدا لمجموعات ليبرالية، إلى جانب الـ19 مقعدا التي حصلت عليها قائمة "العريضة الشعبية" ومرشحيها من بقايا الحزب الدستوري الحاكم سابقا.
ومع أنه لا تتوفر لدينا معطيات شاملة عن التصويتات كلها، بما في ذلك الأصوات التي ذهبت هدرا، فيمكن أن نتوقع أن تفتت القوى الأخرى من غير الإسلاميين ساهم في إضعاف تحصيلها. وفي كل الأحوال، فإن مجموع أصوات الطيف اليساري والوطني والليبرالي كان يضاهي ويزيد على الإسلاميين وكانت تستطيع تشكيل أغلبية حاكمة، بينما أعطت وسائل الإعلام سلفا صفة الأغلبية للإسلاميين، بينما هم في الحقيقة لا يستطيعون تشكيل حكومة إلا بالشراكة مع آخرين. وقدم هذا الأمر الأخير بصفته تفضلا من الإسلاميين الذين لا يريدون التفرد ويرغبون في إشراك الآخرين.
مع إبراز الحقائق آنفة الذكر، نؤكد على حق الإسلاميين حتّى بالتفرد بالحكومة لو حصلوا على أغلبية مطلقة، شرط الحفاظ على الديمقراطية والتعددية والحريات وحق الآخرين في التحول إلى أغلبية، فلا يفرض أي حزب نفسه باسم الدين قائدا نهائيا للمجتمع. وواقع الحال أن التيار الإسلامي الرئيسي في معظم الدول العربية بات يسلم بهذه المفاهيم، والمجتمع نفسه الذي انتصر على الديكتاتوريات وحقق الديمقراطية والحرية لن يسمح بالارتداد عن منجزاته هذه.

[email protected]