"بوستر الأيدز".. وجه المؤامرة!

أثار بوستر الأيدز، الذي وزعته وزارة الصحة على الجامعات الحكومية والخاصة، جدلاً واسعاً، بخاصة أنّه مثّل اختراقاً ثقافياً وتضمن أسئلة غير معهودة في مجتمعنا علناً، الذي تعوّد أن يتعامل مع قضايا حساسة باعتبارها "تابو" لا يجوز الاقتراب منه.

اضافة اعلان

أول من أمس تابعت نقاشاً أثارته إذاعة (البي بي سي) حول البوستر، وقد استمعت إلى رأي وزارة الصحة، ورأي د. عزام عنانزة، أستاذ الإعلام في جامعة اليرموك، وهو من قاد حملة المعارضة، التي أجهزت على حملة وزارة الصحة في التوعية بطبيعة مرض الأيدز ومسبباته.

احتجاج العنانزة على البوستر يأتي في سياق محورين؛ الأول أن مرض الأيدز غير منتشر في الأردن، وأنّ هنالك مشكلات عديدة أخطر وأهم منه تستدعي حملات توعية ومعالجة. والثاني هو التحفظ على صيغة الأسئلة التي توحي بأن ممارسة الجنس "غير الشرعي" (خارج مؤسسة الزواج) أمر مشروع، كما أنّ في الأسئلة تمريراً غير مباشر لـ"الممارسات الجنسية" التي تتعارض مع "أحكام الشريعة الإسلامية" أو "القيم الاجتماعية" وكأنها أمر طبيعي وسائد داخل الجامعات الأردنية.

مع التقدير لرأي د. العنانزة أعتقد أنه يعكس الحساسية المفرطة من قبل المؤسسات الدينية والتعليمية والثقافية في التعامل مع قضايا واقعية، والسكوت على قضايا اجتماعية إلى أن تصبح معضلات حقيقية تهدد الأمن الاجتماعي والصحي داخل المجتمعات.

لا أعرف من يملك الأرقام والإحصائيات التي تمنحنا بيانات حقيقية حول أعداد مرضى الأيدز أو الممارسات الجنسية غير الصحية؟ فالجميع يتواطأ على الصمت والاختباء وراء "ثقافة العيب"، وطمر أي حوار موضوعي وحقيقي، في حين هنالك تحولات اجتماعية واقتصادية تفرض نفسها على ثقافة المجتمع، وتحديداً جيل الشباب والمراهقين، بعيداً عن الخطاب التقليدي الذي يسمعونه من الكبار أو المؤسسات الرسمية أو الخطابات الدينية.

المشكلة الحقيقية اليوم تتمثل في فجوة كبيرة بين ضغوطات جيل الشباب والمراهقين وبين الثقافة الاجتماعية العامة، فالخطاب الديني السائد لا يتحدث إلا بلغة المحرمات لا الخيارات والبدائل الواقعية، ويتسم بطابع الحذر لا التقدم والتنوير.

في "الغد" أثارت قبل أيام زاوية "اسأل طبيبك" احتجاجاً شديداً، من قبل بعض القراء، لأنها تناولت مشكلات في العلاقة الجنسية الزوجية، ما يؤكد إصرارنا على التهرب من مواجهة المشكلات، وترك مساحتها تكبر مع مرور الوقت، بعيداً عن بناء الثقافة السليمة الصحية.

في ظنى أن المشكلة تتجاوز طلاب الجامعات الذين توجه إليهم "بوستر الصحة" فهي تطرح قبل ذلك في المدارس، وفي سن المراهقة بصورة حساسة. ومن خلال تجربة شخصية، فإنّ المناهج العلمية والدينية والثقافية في المدارس لا تقول شيئاً مفيداً ولا تروي غليل الطلاب المعرفي والنفسي في التعامل مع غريزة الجنس الفطرية لديهم، في حين يتعامل الآباء مع الموضوع وكأنه "مسألة مخجلة" لا يجوز الحديث عنها، فيتبرع "الشارع" بالإجابة عن تلك الأسئلة بصورة غير صحيحة في كثير من الأحيان!

في سياق حالة التكتم الاجتماعي والحساسية المفرطة، فإنّ الثقافة الاجتماعية ستتسم بـ"هشاشة" كبيرة، بينما تتحكم العلاقات السرية والخلفية في الوجه الآخر للمجتمع، ولن نثق بعدها بأي أرقام أو معلومات أو بيانات حول هذه الظواهر الاجتماعية، لأنّ الجميع يخشى الاقتراب من هذا الموضوع.

الحل، بالطبع، لا يكمن بالانسلاخ من القيم والثقافة الإسلامية، بل بتطوير خطابنا الديني والفقهي والتربوي والتويري للإجابة عن التحولات الاجتماعية والاقتصادية الحادة وتأخر سن الزواج والنسبة المرتفعة من العنوسة والطلاق، والمشكلات العائلية الكبرى.

إذا كان هنالك مؤامرة مفترضة فليست من منظمات غير حكومية تقف وراء البوستر، كما يلمح العنانزة، بل في إصرارنا على الاختباء وراء جمل خشبية، وعدم التعامل مع قضايا ومشكلات واقعية وملحة!

[email protected]