بوش وتقرير بيكر - هاملتون

محصلة تقرير مجموعة الدراسات حول العراق الذي أُعلن أول من أمس هي أن السياسة الأميركية فشلت في العراق وفلسطين. ذلك استنتاج وصل إليه كثيرون قبل وزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر والسيناتور الديمقراطي السابق لي هاملتون. بيد أن إقرار هذه الحقيقة من شخصيات أميركية رئيسة يعطي التقرير زخماً إضافياً. القول يستمد هنا دلالات هامة من القائل.

اضافة اعلان

أهمية التقرير لا تكمن في تشخيصه حال الفشل الأميركية، رغم أثر موقف لجنة بيكر - هاملتون في إضعاف مواقف الإدارة الأميركية الدفاعية الرافضة الاعتراف بالفشل. الأهمية الأكبر للتقرير تكمن في ما قدمه من مقترحات سيؤدي تطبيقها إلى تحسن تدريجي في ملفي العراق وفلسطين، اللذين حرما الشرق الأوسط استقراره.

ردة فعل الرئيس الأميركي جورج بوش على التقرير كانت ديبلوماسية سعى من خلالها بوش إلى إظهار التجاوب مع توصيات سياسي مخضرم بحجم بيكر. لكنه توخى أيضاً إبقاء جميع خياراته مفتوحة.

الاستنتاج الوحيد الذي يمكن استنباطه من المواقف التي أعلنها بوش وإسرائيل وبعض الفئات العراقية هو وجود معارضة قوية لتوصيات بيكر - هاملتون، ما سيجعل عملية التجاوب معها انتقائية. ذلك يعني أن التقرير لن يطبق بما يتطلبه نجاحه من شمولية.

أظهر التقرير فهماً عميقاً لراهن الشرق الأوسط حين لفت إلى ارتباط الصراعات الإقليمية. فالتقرير كان واضحاً في إشارته إلى أثر الفشل في حل القضية الفلسطينية على الأوضاع في العراق ودعوته الإدارة الأميركية تفعيل جهودها إيجاد حل للقضية الفلسطينية على أساس قراري مجلس الأمن الدولي 242 و338.

ورغم أن إسرائيل ستكون أول من يعارض التقرير في شقه المتعلق بالقضية الفلسطينية، ستعمل قوى عراقية وأميركية تختلف مع توصياته على إعاقته في حين ستوظف إيران وسورية طلب بيكر - هاملتون فتح حوار معهما لانتزاع تنازلات ستكون على حساب المنطقة من واشنطن.

إيران، التي تملك نفوذاً هائلاً في العراق، لن تعطي أميركا شيئاً من دون ثمن. فالعراق، كما لبنان، ورقة تفاوض قوية في يد طهران ستستعملها لخدمة طموحاتها النووية وأهدافها التوسعية في بلاد العرب.

كذلك سيسعى النظام السوري إلى الوصول إلى صفقة تُسقط المحكمة الدولية باغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري وتُعيد الاعتراف بنفوذه في لبنان ثمناً للتعاون مع واشنطن في العراق.

مفيد أن تفتح واشنطن حواراً مع سورية وإيران. فالتفاعل الإيجابي وسيلة ناجعة لحل الخلافات. لكن الحوار يجب أن يستهدف إيجاد حلول استراتيجية للأزمات لا إبرام صفقات تنقذ أميركا وتبقي المنطقة غارقة في الظلم والصراعات.

هذا ما طلبته لجنة بيكر - هاملتون حين حددت منطلقات الحوار مع سورية وإيران. لكن ليس بالضرورة أن واشنطن ستلج الحوار، إن أطلقته، من الأبواب الصحيحة.

ما تريده إدارة بوش هو مخرج من مستنقع أوقعت نفسها والمنطقة فيه. فلو كانت الإدارة الأميركية تريد حلولاً جذرية منصفة لأزمات الشرق الأوسط لكانت استمعت إلى نصائح ناجعة سبقت تقرير بيكر - هاملتون.

وهنا مكمن الخطر: أن تتعامل إدارة بوش مع تقرير مجموعة الدراسات حول العراق بانتقائية تحفظ ماء وجهها ولا توقف فيضان العنف والتطرف والفوضى الذي يُغرق المنطقة.