بين محمد الدرة وإيمان العبيدي

فور عرض الشريط المروع الخاص بالسيدة الليبية المغتصبة إيمان العبيدي، على معظم شاشات التلفزة العربية والأجنبية ليلة أول من أمس، قفزت إلى الذاكرة الشخصية صورة الطفل الفلسطيني محمد الدرة، الذي كان اغتياله من قبل قوات الاحتلال، بدم بارد، أمام عدسة مراسل تلفزيوني بمثابة الشرارة التي أشعلت حريقاً هائلاً، ومدت الانتفاضة الثانية في حينه بقوة زخم هائلة.

اضافة اعلان

ومع الفوارق العديدة بين المشهدين الفائضين بالدلالات الرمزية، ورغم بعد المسافة الزمنية والمكانية الفاصلة بينهما، إلا أنني رأيتُ في وجهي الضحيتين ملامح مشتركة، وقرأتُ في الحدثين الباذخين بالآلام بعداً متماثلاً، وفهمتُ من سياقهما التاريخي مغزىً متطابقاً، ومدلولاً واحداً يفيض بالاستنتاجات الخاصة بكل من الضحية والجلاد، كلاً على حدة.

ففي مجرى المسيرات التاريخية الكبرى، كثيراً ما يقع حدث من طبيعة استثنائية غير متكررة، يكون له ما بعده، يعمل فارقاً بين زمنين، ويحدث انعطافة نوعية مفاجئة، تفضي بالضرورة الموضوعية إلى تسريع التطورات، تزيدها تدفقاً وتمنحها قوة دفع ذاتية إضافية جبارة، فوق ما تمنحه لها من مكاسب عظيمة، ليس أقلها كسب مزيد من المؤيدين في الداخل، واستقطاب أوسع للرأي العام في الخارج.

وقد ازدادت أهمية مثل هذه الوقائع الاستثنائية في عصر الصورة التلفزيونية، لا سيما في زمن الصورة الرقمية المبثوثة من عين المكان مباشرة، حيث يقدم المشهد المنقول بالصوت والصورة خطاباً أبلغ بكثير من كل ما تقدمه التقارير الصحافية وتذيعه النشرات الإخبارية، الأمر الذي جعل شاشة التلفزيون في عصرنا هذا ميدان حرب افتراضيا أكثر أهمية من ساحة المعركة نفسها في كثير من الأحيان.

وعليه، فإن الصرخة المدوية التي أطلقتها السيدة إيمان العبيدي أمام عدسات المراسلين الأجانب المغلوبين على أمرهم في طرابلس، سوف تدوّن كواحدة من الوقائع الاستثنائية التي لن تمحى من الذاكرة الجمعية في مجرى الثورة الليبية، باعتبارها دليل جريمة إضافية ضد حكم الطاغية، تماماً على نحو ما كان عليه مشهد اغتيال محمد الدرة قبل عقد ونيف، حين تحول هذا الفتى الصغير إلى أيقونة فلسطينية عربية خالدة.

وبقدر ما أدى موت طفل غزي بين يدي أبيه، وعلى مرأى من عين الكاميرا، إلى إلحاق هزيمة أخلاقية ساحقة بقوة احتلال تدّعي كذباً بطهارة سلاحها وتزعم مراراً بأخلاقيات جيشها من دون أن يرف لها جفن، بقدر ما ستؤدي إليه صرخة هذه السيدة الليبية التي كسرت حاجز الخوف والصمت ضد جريمة اغتصابها من جانب عسكر القذافي، إلى هزيمة أخلاقية مضاعفة، تلحق بفلول قواته المتقهقرة، وتضاعف من شدة وقع الهزيمة السياسية والعسكرية لمدّعي الجهاد ضد ما يسميه غزوة صليبية جديدة.

وفي غمرة هذه التطورات العاصفة التي تجتاح ليبيا من الشرق إلى الغرب، تتقدم صورة إيمان العبيدي وحدها على ما عداها من صور أخرى مثيرة، لتحسم ما كان قد خالج صدور الكثيرين بيننا من شك بصحة وأخلاقية تأييد الحملة الجوية الغربية ضد مجنون باب العزيزية، ومن وخزة ضمير قضّت مضاجع البعض بين ظهرانينا، ومن خشية مشروعة وتحفظات متفاوتة النبرة إزاء تداعيات هذا الحماس الأطلسي العارم للثورة الليبية.

ورغم أن هناك كثيرا من الصور البشعة، والوقائع التي قد تكون أشد هولاً من واقعة اغتصاب امرأة امتلكت شجاعة إطلاق صرخة احتجاج مدوية في وجه العالم كله، إلا أن مشهد إيمان البطلة الباكية المهانة، سوف يظل محفوراً في ذاكرة الليبيين والعرب إلى أجل طويل، كامرأة استثنائية مميزة، صنعت بشجاعتها ذلك الفارق النوعي في مسار الثورة، وسرّعت بعبورها حاجز الخشية التقليدية المتوارثة من الفضيحة، في تعجيل مسار سقوط الطاغية مجرداً من كل المثل الأخلاقية التي زعمها لنفسه طويلاً، على مدى اثنين وأربعين عاماً من الجنون والفساد والمعارك الدنكشوتية.

[email protected]