تأنيث الأوطان

الرأي العام المصري غير المنشغل بالسياسة هو الأكثر شفافية ومصداقية في التعبير عن أحوال السياسية في العالم العربي

يقال إن النسق الثقافي الغربي يُذكر الأوطان أي يضفي عليها صفة الذكورة من خلال ما يمنحها من عقلانية وعملية، بينما يعمد النسق الثقافي الشرقي إلى تأنيث الأوطان بكل ما تمنحه الأنوثة من نبُل وقيم خير عدل.

اضافة اعلان

"مس ايجبت" اسم فيلم سينمائي سيبدأ تصويره قريبا، كتب السيناريو له وسيخرجه المخرج السينمائي الصديق أسامة أبو العطا، وهو واحد من رموز الجيل الجديد من المخرجين المصريين.

الفيلم أضفى على مصر صفة السيدة لا يحكي قصة الإمبراطورة المصرية العظيمة حتشبسوت في مصر القديمة ولا الملكة نفرتيتي ولا يكشف زيف أسطورة جمال الملكة كيلوباترا في عهد حكم البطالمة لمصر، ولا حتى عن سيدة مصر الأخيرة المكلومة بحفيدها، بل يحكي قصة مصر السيدة الأولى، التي عمرها سبعة الآف سنة عبر الصراع بين ثلاثة أجيال، يبدو ان السيدة هي الحضارة  في هذا الجزء من العالم، التي لا تموت ولا يراد لها ان تحيا.

الرأي العام المصري غير منشغل بالسياسة، ولا يطيق حتى حواراتها هذه الأيام تحت وقع ظروفه الاقتصادية والمعيشية، لكن قريبا من السياسية أو بعيدا عنها، تبدو السياسة حاضرة في كل التفاصيل، الانشغال الراهن بحكم الإعدام الذي صدر بحق رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى في قضية مقتل الفنانة اللبنانية سوزان تميم التي شغلت الرأي العام العربي على مدى شهور.

هذا الحكم غير المفاجئ من الناحية القانونية والقضائية بعد ان مر بإجراءات القضاء كافة وصولا الى مصادقة مفتي الجمهورية على حكم الإعدام، لكنه من وجهة نظر الرأي العام المصري كان قاسيا وكان فيه الكثير من السياسة، قال ذلك  أكاديميون وسائقو سيارات أجرة، وناس عاديون، والحجة حسب وجهة نظرهم أنهم ورطوه من الخارج والداخل لمصالح وتصفية حسابات، حجة الناس في سياق تأنيث الأوطان واستنادا على سيرة الرجل ان مقتل السيدة المرحومة لا تبرر قطع أرزاق أكثر من سبعة آلاف سيدة وأسرة ممن توفر لهم مجموعة طلعت مصطفى العمل ومصدر دخل حيث ربما تلجأ العائلة لتصفية أعمالها. 

في الخارج عملت وسائل الإعلام العربية منذ بدء المحاكمة في قضية سوزان تميم على تصوير تورط هشام طلعت بانه جاء في سياق فساد موجة رجال الأعمال الجدد الذين قربتهم النظم السياسية خلال السنوات العشر الأخيرة الى مطابخ صنع القرار وازدادوا فسادا.

لكن ما يقال هنا في القاهرة ان هؤلاء هم من ورط هشام طلعت وثأروا منه خصوصا ان الناس يتساءلون عن قضية رفعتها مجموعة طلعت مصطفى على مجموعة رجل الأعمال الموصوف بملك الحديد احمد عز تتهمه باحتكار هذه السلعة في السوق المصرية، وليس بعيدا، يتساءل الناس، عن الحكم الذي صدر قبل عامين بحق رجل الأعمال محمود إسماعيل بطل عبارة السلام الذي برأته المحكمة بعد مقتل المئات.

خلال الانشغال بالحكم الصادر في القضية السابقة، أسهمت عودة المنتخب المصري من جنوب أفريقيا بعد خسارته أمام منتخب الولايات المتحدة، في تطوير أجندة جديدة للأخبار فمسألة فوز أو خسارة المنتخب مسألة كرامة وطنية تمس هيبة البلاد بالنسبة للمصريين، مسألة تأنيث الأوطان لا تقف هنا على أنها المشكلة الكبرى فيما أثير حول سلوك المنتخب وتعرضه للسرقة من بنات الليل.

الرأي العام المصري غير المنشغل بالسياسة هو الأكثر شفافية ومصداقية في التعبير عن أحوال السياسية في العالم العربي، فكلما ازداد تأنيث الأوطان ازداد اندماج الناس بالهم العام، وكلما ازدات مصر أنوثة ازددنا حبا لها وخوفا عليها.

[email protected]