تأنٍّ مطلوب تجاه سورية

أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما أنه يتأنى في قراره ضرب داعش في سورية عسكريا. في مفارقة مع عديد قرارات سابقة، هذا قرار صائب. فالوضع في سورية لا يقارن بمثله في العراق، ما يفرض تعاملا مختلفا مع البلدين.اضافة اعلان
فرغم صعوبة الأوضاع في العراق، هناك عملية سياسية تسعى لإيجاد حل متكامل يعالج تبعات السياسات التي وضعته على حافة الهاوية.  تدهور الأوضاع أطلق جهدا داخليا وحراكا إقليميا ودوليا أعاد إحياء العملية السياسية. وجاء العمل العسكري ضد الإرهاب الداعشي جزءاً من تحرك شامل.
أما في سورية، فهناك حرب يشنها النظام على شعبه، وحرب أخرى تشنها داعش على هذا الشعب. وتوجد جبهة النصرة التي تحارب النظام، لكنها تقاتل أيضاً الشعب وقواه الثورية، التي حملت السلاح للدفاع عن السوريين، بالإضافة إلى داعش التي دخلت في حرب موازية ضدها. لا وجود لعملية سياسية، أو حتى جهود حقيقية لإطلاقها.
في هذا الوضع المعقد، لا بد من التأني في أي تحرك عسكري إزاء سورية.  فتدمير داعش والنصرة إنقاذ للشعب السوري من جرائمهما. لكن الخطر في أن يطلق ذلك يد النظام للبطش أكثر بشعبه.
هذا مآل كارثي يجب تحاشيه عبر تحذير ذي صدقية للنظام. يجب أن تكون الرسالة له واضحة أن استغلاله ضرب داعش للتصعيد ضد شعبه سيعاقب. ويوازي ذلك أهميةً على المدى الأبعد وضع التحرك ضد الإرهاب في سياقٍ أوسع يستهدف وقف الحرب الأهلية، وإيجاد مخرج سياسي للأزمة.
يقول أوباما إنه سائر في بناء تحالف دولي وإقليمي لمحاربة الإرهاب في المنطقة. يتطلب نجاح هذا التحالف ضمان توافقه على إنهاء أزمة سورية. وهذا متاح في ضوء الدور المركزي لأعضائه المتوقعين في الأزمة.
فالانقسام حول سورية غذّى حربها الأهلية وزوّد أطرافها المال والسلاح والدعم الذي يبقيها متقدة. لكن يمكن لهذا الانقسام أن ينتهي في إطار تسوية تراعي المصالح التي أوجدته، خصوصا أن دحر داعش صار مصلحة دولية مُبررا من أجلها تقديم تنازلات في المواقف تجاه سورية.
ويوفر ثبات استحالة إنهاء الصراع عسكريا حافزا مضافا للبحث عن تسوية سياسية. فلا حل عسكريا للأزمة. وثمن استمرارها سيكون أكبر من ثمن إنهائها عبر تسوية لا تحقق العدالة المطلقة، لكنها تخرج سورية من قيعان الضياع التي أسقطها النظام فيها.
موازين القوى تفرض التنازلات. وكذلك الحاجة لإنجاح الحرب ضد داعش.
فروسيا وإيران، اللتان تشكلان الداعمين الرئيسين لنظام الأسد، تريان في دحر داعش هدفا استراتيجيا، ويمكن التوصل معهما إلى تفاهمات في إطار تسوية شاملة تحفظ حدا معقولا من مصالحهما.
وتركيا وقطر، اللتان أسهمتا في عسكرة الثورة بداية، وفي تسلل القوى المتطرفة إليها لاحقا نتيجة سياسات اتبعتاها، تدركان حتمية مشاركتهما في التحالف المنوي وثمن البقاء خارج جهد تقوده أميركا. لذلك لن تترددا في إعادة تشكيل مواقفهما تجاه سورية.
بقية الدول العربية المؤثرة تعي أن لا بديل للحل السياسي، وتبدو مستعدة للإسهام في صياغته. والشعب السوري يعرف، بعد ما يزيد على مئتي ألف قتيل، أن العدالة المطلقة بعيدة المنال بالحسابات الواقعية، وأن تسوية سياسية، تحقق الحد الأدنى من مطالبه خطوة على طريق معالجة متدرجة للأزمة، خير من استمرار المجازر بحقه.
تفاصيل التسوية السياسية خاضعة للنقاش. لكن ما لا نقاش فيه هو أن شروط نجاحها الأساسية هي خروج بشار الأسد من السلطة، وقف القتل والبطش وإطلاق المعتقلين، والتفاهم على مسار سياسي يحافظ على مؤسسات الدولة ويرسم آليات تداول سلطتها.
ثمة فرصة للتوافق على تسوية نتيجة لجدية الأخطار الكامنة في الوضع الراهن. ترجمة هذه الفرصة جهداً يثمر مبادرةً متكاملة قرارٌ يملكه أوباما والدول العربية.
أوباما يقول إنه يدرس خطوته التالية. العرب قادرون على التأثير في هذه الخطوة عبر المبادرة إلى اقتراح مرتكزات نجاحها في معالجة المشكلة بشمولية، لا بانتقائية يحكمها تعريف منقوص للخطر.